الأم
ديري10 فبراير 2026

ترجمة أدبية عن النص التركي الأم *(ترجمة أدبية عن النص التركي)* تفقدت ما في محفظتها. «ثلاثٌ وأربعون ليرةً وخمسون قرشًا… لعلّي أشتري بعض الفاكهة. إنها لا تأكل طعامًا كما ينبغي؛ فلتأكل فاكهةً على الأقل… لقد صارت تشبه الجثة.» حدّثت نفسها. وعندما بدأت العبارات الأولى لصفارات العبارات تصرخ في الميناء، خرجت في طريقها. لم يكن لديها عملٌ تفعله، وكان لا بدّ أن تذهب إليها. ثم إن لم تذهب، فربما ماتت حقًا… لا قدّر الله. كفى المال لنصف كيلو من التفاح وموزتين. لا بأس. ابنتها تحب الموز. كلما رأت موزًا وخزها عرقٌ بعينه عند أرنبة أنفها. ثمرة طفولتها ذات الرائحة الجميلة، الباهظة، البعيدة المنال. كانت تراها أحيانًا في أيدي بعض الأطفال في الحي، فيشتعل قلبها شوقًا. والآن صارت تستطيع شراءه، ولو قليلًا… يا للعجب. تذوقته لأول مرة في التاسعة. يومها اقتطعت من أجرها الأسبوعي في مشغل النسيج، خفيةً عن أهل البيت، وادخرت لنفسها قرشًا، فاشترت موزة واحدة من البقال، ولم تنس ذلك الطعم أبدًا. أكلته بعد ذلك مرات، لكن طعم تلك الموزة التي التهمتها مختبئةً في زقاقٍ ضيق… لم يعد إليها أبدًا. كما تفعل كل يوم، جرّت قدميها جرًّا وهي تصعد التلة الطويلة المؤدية إلى بيت ابنتها، بحذائها البني المهترئ من كثرة المشي، الذي لم يستطع أحدٌ شراء بديلٍ له. كان رأسها دائمًا مطأطأً، لا تصنع تماسًّا مع عيون أحد. كانت تعرف أن ابنتها تكره فتح الباب، لذلك كانت تُخرج مفتاحها منذ أعلى الدرج. أحيانًا تصادف الجيران في البناية، لكنّها لا تتحدث، ولا ترد حتى لو نادوها، وتندس إلى الداخل فورًا. كانت تلك المرأة الغريبة تترك الجارات في دهشةٍ لا تنتهي. انتعلت خفّيها الصغيرين، وتركت ما اشترته قرب الباب، ثم نادت بصوتٍ يخفي ما في روحها من حنان: «لقد جئت.» كانت تجد ابنتها دائمًا في المكان ذاته: على السرير. فالمرأة التي لا تستطيع الخروج إلى الخارج، لا يبقى لها عملٌ تُشغل به يومها. سوى أن تتابع تعليم ابنتها في البيت، كما كانت تفعل، وأن تقضي معها الوقت… ليس أكثر. كلما جاءت الأم، كانت المرأة تنهض من سريرها بصمت، وتذهب إلى الصالة، فتجلس خلف ابنتها التي تتابع التلفاز، وتشتم شعرها طويلًا، وتداعبه وتربّت عليه. ثم تبدأ بسرد الحكايات. وبعد ذلك يأتي وقت اللعب: الغميضة. في البيت الصغير جدًا، تختبئ إحداهما، وتبحث الأخرى. كانت تلك لحظاتٍ نادرة تبتسم فيها المرأة. حبّ المرأة لابنتها كان يهزّ الأم من الداخل كل مرة، فيغرقها في طفولتها. طفلةٌ بشعرٍ قذر، بلا وجهٍ في الشارع. طفلةٌ لم تُتح لها طفولة. كانت الأم تجلس بصمتٍ في زاوية، تنتظر انتهاء تلك اللحظة. التفتت المرأة إلى ابنتها وقالت: «هيا، العبِي وحدك قليلًا.» تتبعتها بنظرها حتى غابت، ثم التفتت إلى الأم وقالت: «أهلًا بك.» كانت علاقة الأم بالمرأة أشبه بعلاقة واجب، على عكس العلاقة بين المرأة وابنتها. الأم تؤدي ما تراه مسؤوليةً تجاه ابنتها، والمرأة تتحمّل أمها. بينهما جدارٌ غير مرئي؛ كلما حاولتا الاقتراب بمودةٍ اصطدمتا به. الحياة، في حقيقتها، محصلةُ أوهامٍ فادحة. وهما كانتا تغرقان في أوهامهما وخوفٍ لا شكل له. «هل أكلتِ؟» «لم أشتهِ.» «لا تكوني جائعة.» «قلت لكِ لم أشتهِ.» «افتحي النوافذ ليتهوّى البيت.» «أمي! ألا تعلمين أنني لا أحتمل النظر إلى الشارع؟ تدخلك في كل شيء يخنقني. كُلي، هوّي البيت، افتحي الستائر… أُفّ!» «لا تكثري الكلام.» ثم أخذ الصمت العميق مكانه، ولم يبقَ إلا اهتمام الأم البارد. «جلبتُ لك فاكهة… كلي.» «موزٌ مرةً أخرى؟» «نعم، ومعه بعض التفاح.» وتابعت المرأة بنبرةٍ ساخرة: «هل وخز أنفكِ وأنتِ تشترينه؟» تغشت عينا الأم بالضباب في لحظة، وجرحتها تلك اللامبالاة الساخرة. أما المرأة فواصلت بلا رحمة: «والآن ستدخلين أيضًا في أدب “نحن كبرنا في الشارع وعملنا في النسيج”. أمي… لا طاقة لي بك. سأذهب لأطمئن على البنت.» تنهدت الأم وهمست: «انظري فقط…» «انظري فقط…» كل شيء بدأ حين كانت الأم في العاشرة، في حيّ من بيوت الصفيح. حتى تلك الليلة لم تكن طفلًا محبوبًا كثيرًا… لكن بعد تلك الليلة… عند الثانية بعد منتصف الليل، على وقع قبضاتٍ تهوي على الباب، قفزوا من فرشهم. كانت الأم وحيدةً، بلا إخوة. وحين توجه أبوها نحو الباب، قالت أمّه بحدة: «يا امرأة! خذي الطفلة وابتعدا… ابقيا خلفي!» ما إن فتح الأب الباب حتى اندفع جمعٌ إلى الداخل، وأمسكوا به وقذفوه إلى وسط الشارع. صرخت زوجته: «ما الذي يحدث؟» لكنها لم تستطع إسماع صوتها. تذكرت ضرباته لها، فتراجعت إلى زاوية، تنتظر بصمت. أما الطفلة التي لم تعرف من أبيها حبًا قط، فقد راقبت مشهد “القتل” بوجهٍ مثل الثلج. ركلاتٌ، لكماتٌ، شتائم تطير في الهواء، والأب يتطاير كقطعة قماش من يدٍ إلى يد. ولتفهم السبب كان يكفي أن تُصغي لما يقولونه: «يا قواد! البنت عمرها ثماني سنوات، مكانها ابنك لا أنت!» ضربةٌ ثقيلة على وجهه. «يا عديم الشرف! سأقتلك! تُفعل هذه بطفلةٍ صغيرة؟!» ركلةٌ في بطنه. شتائم… لم يقل الأب مرةً واحدة: «أنا بريء»، لم يقل: «توقفوا». فهم الجميع ما حدث… لكن موقف الأب كان لغزًا لا يُحتمل. ما حوّل عالم الطفلة إلى جحيم، لحظةٌ واحدة فقط… لحظةٌ خاطفة… حين رأت قرب شفتي أبيها الملطختين بالدم تلك الابتسامة اللعينة. انحنت أمّها إلى أذنها وهمست: «انظري فقط…» ثم جاءت القيامة. لم تصل الدرك في الوقت، ومات الأب هناك. وبعد موته مباشرة، تركت الأم البيت وهي نائمة. بقيت ساعاتٍ في البيت جائعة، تنتظر عودة أمها. وحين لم تعد، طرقت باب أحد الجيران. لكن الجار طردها كأن وحشًا يقف أمامه وأغلق الباب في وجهها. ثم صار الحي كله يعلنها “ابنة الوحش”. حتى أخذتها امرأةٌ عجوز قاربَت الثمانين، كانت الناس تناديها “الجدة”، ذات صباحٍ من يدها ووضعتها في دار الأيتام. وبعد ذلك… كارثة… مسحت الأم دموعها وعادت إلى نفسها. التفتت إلى المرأة وقالت: «إلى متى سيستمر هذا؟» «أمي! لا أستطيع الخروج. ليس بيدي. لا أستطيع أن أخرج إلى الشارع!» «حسنًا لا تخرجي. جهدي لا يكفيكِ. أنتِ ناكرة… ناكرة!» «وأنتِ جاهلة أيضًا.» انحنى عنق الأم أكثر، واكتفت بابتلاع ما تريد قوله. تابعت المرأة: «لا تلتصقي بي هكذا. تخنقينني.» «أنا لا أريد إلا مصلحتك.» «لا تريدي… بدل أن تهتمي بي، اهتمي بحفيدتك. هل أحببتِها مرةً واحدة يا أمي؟» «أنا…» «هل أحببتِها يا أمي؟» «أنا…» «هل أخبركِ شيئًا؟ لم تكوني أمًا جيدة، ولا جدّة جيدة. تظنين أن إحضار الطعام والفاكهة أمومة… لكن الأمر ليس هكذا.» جمعت الأم نفسها بصعوبة، ونهضت لأول مرة وأمسكت يدي ابنتها بين كفيها. كان رأسها منخفضًا، ووجهها منهارًا. ولو استطاعت لعانقتها. «علينا أن نتحدث. اجلسي إن شئت. لا أعرف كيف أقول… لكن يجب أن أقول. سأقول.» «ماذا تقولين يا أمي؟» «لا بد أن أحكي.» «قولي وانتهي، لا تُطَيّلي.» «يجب أن تكوني هادئة.» «أمي كفى، مللت… قولي ماذا تريدين أن تقولي.» «… أيُّ حفيدة يا ابنتي؟» «ماذا تعنين أي حفيدة؟ كم حفيدًا لديكِ؟» ابتلعت الأم ريقها، وبصوتٍ كأنه أنين: «يا ابنتي… ليس لي أحفاد.» رفعت المرأة عينيها بملل، وابتسمت ابتسامةً ساخرة: «لقد جُننتِ تمامًا… لِمَ لا تذهبين إلى طبيب يا أمي؟» «الفتاة…» «اسكتي!» «أي فتاة؟ هل تعين ما تقولين؟ يعني ابنتي… ابنتي غير موجودة، أليس كذلك؟ أمي، لم تحبيها يومًا، لم تمسحي على شعرها. لم تلتفتي إلى وجهها حتى… حسنًا… لكن هذا كثير. اذهبي من هنا. اتركينا وشأننا.» «هل تتذكرين يوم وُلدت؟» «ماذا تقصدين الآن… ذاك… حدث شيء…» «هل تتذكرين ما الذي حدث وهي تكبر؟» «أمي هذه المحادثة طالت… اذهبي الآن.» «متى آخر مرة أطعمتِها بيديك؟ هل مرضت يومًا؟ هل سقطت وجرحت ركبتها؟ هل لها ندبة؟ هل كبرت؟» … «يا ابنتي؟» … بعد صمتٍ طويل كانت الأم منهارة. أنهكها السعي لإقناع ابنتها. عندها تكلمت المرأة ببطء، حرفًا حرفًا، وبهدوءٍ قاس: «لهذا… لم تمرض يومًا… أمي…» غاصتا في صمتٍ عميق. الدموع تنساب من عينيهما كلتيهما. هبطت كتفا المرأة، وتجمّد نظرها، وانحنى رأسها وهي تمشي نحو المطبخ. كانت الأم تراقبها. وضعت المرأة يديها على طاولة المطبخ وبقيت لحظةً بلا حركة، بلا كلمة، حتى كأنها لا تتنفس. ثم التفتت إلى أمها وقالت: «أمي؟» نظرت إليها الأم كما لو تقول: نعم، ماذا؟ قالت المرأة: «إذًا… هل تتذكرين كيف كبرتُ أنا؟» ضربت الكأس الموضوع على الرفّ فتهشم. أمسكت شظايا الزجاج، وغرزتها في عنقها، تقطع بهدوء. لم يرتسم على وجهها أدنى ألم. فقط في عينيها لمع لبرهةٍ لهبُ انتقامٍ ثم انطفأ. ارتجف طرف شفّتها الأيسر، وسقطت على الأرض غارقةً في الدم. راقبتها الأم كأنها متجمدة. ظلت تنظر إليها بصمتٍ لحظةً طويلة. لم تكن تعي دمعتها وهي تنحدر. راحت تهزّ رأسها يمينًا ويسارًا ببطء، غير مصدقةٍ أن ما يحدث حقيقي. وفجأةً خرجت صرخةٌ ارتطمت بجدران البيت. ملأت فريادها البناية كلها. ركضت تهز ابنتها محاولةً إعادتها. حين جثت على الأرض كان صوت الجيران عند الباب، يضربونه بأيديهم. «افتحوا الباب!» «ماذا يحدث هناك؟» «الصوت خرج من هنا!» «افتحوا!» «سنكسره…» كانوا يضغطون على الباب ويحاولون كسره. صارت البناية ساحةَ محشر. الأم لا تسمع حتى صوتها. الكلمات تنحدر من شفتيها وحدها: «أنا السبب… أنا السبب… أنا السبب… لم يكن عليّ أن أقول…» وضعت ابنتها في حجرها، تمسح على شعرها، تبكي وتصرخ، وتلوم نفسها لأنها لم تُدخل “ابنتها المريضة” إلى الطبيب. وأخيرًا حين كسروا الباب وفتحوه، لم يملكوا إلا أن يكتموا غثيانهم. كانت الرائحة لا تُحتمل، رائحة موتٍ خانقة. في البيت طعام فاسد مبعثر في كل مكان، متعفن، متدود. نظروا إلى بعضهم، يحاولون الفهم. كانت الأم جاثية، تمسح على شيءٍ وهمي بين ذراعيها، وتبكي بجنون. لم يكن في الداخل أثاثٌ تقريبًا، ولا شيء يصلح للحياة. كان في البيت… أمٌ فقط. ومعها… الذباب.