قائمة الانتظار
ديري10 فبراير 2026

هل مرّت عليك لحظات قلتَ فيها: «لماذا حدث هذا لي؟» كأنك لست جزءًا من هذا العالم، وكأن هذا العالم ليس جزءًا منك. كأنك تعيش في قلعةٍ محصّنة لا تستطيع الشياطين اقتحامها. مرّت عليّ. مرّت حتى أحرقتني. حين نُفِخَت فيّ الروح من عند الله لم أكن في حالٍ يسمح لي بفهم ما يحدث. لم أدرِ: أهو لعنة أم هِبة؟ ولم أفهم لماذا أنا هنا، ولا لأي سبب. ثم أخذت الأشياء، مع الزمن، تستقرّ شيئًا فشيئًا في مواضعها. رأيت ما تمنّيت لو لم أره، وسمعت ما تمنّيت لو لم أسمعه. وكنت كمن خرج من قلعةٍ حصينة فسقط في الجحيم، وحيدًا. كنتُ أنتظر كل صباحٍ باكر وصول الحافلة مع كثيرٍ من الناس. ولا تتعجب إن قلت لك إنني لم أركب الحافلة يومًا؛ لأنني حقًّا لم أركبها. كنتُ أقف فقط مع الناس أنتظر قدوم الحافلات. هم يركبون ويرحلون، وأنا لا أرحل. لا أستطيع. أذكر أوّل يومٍ ذقتُ فيه الألم كأنه الأمس. كأنهم في تلك اللحظة وضعوا ثِقَل العالم كله على ظهري. كانت امرأةٌ عجوز، في السبعين تقريبًا، تحمل كيسًا وتنتظر الحافلة. كنتُ أشعر بالمطر على قفاي، والبرد يلتفّ حولي. اقتربت منها فتاة شابة، ثم قطّبت وجهها ومضت مبتعدة. لن أنسى تلك اللحظة ولو متّ، مع أنني لا أعرف متى أموت. وحين جاءت الحافلة لم تُخصم الأجرة من بطاقتها فأنزلوها. رأيتها تفتّش جيوبها فلم تجد إلا ليرة واحدة. ثم أخذت تمشي في الاتجاه المعاكس للذي أتت منه. كان ذلك اليوم باردًا. وأنا ارتجفت أكثر. وأما الضربة الثانية فقد تلقيتها من مجنون. نعم، مجنون، هكذا تسمّونه أنتم. أما أنا فاستمعت إليه. سمعت ما قال، وعلى عكسكم حزنت معه. أسند رأسه إلى ركبتي بهدوء، وضمّ ساقيه إلى بطنه وانكمش. قال إنه كان يقود سيارة، وكانت زوجته وطفلهما ذو الخمسة أشهر معه. حكى وهو يبكي: «كنت قد شربت». قال إنه لم يكن ثملًا، وأقسم. تشتّت انتباهه لحظة واحدة، فانقلبت السيارة إلى الوادي. صرخ. فتفرّق منتظرو الحافلة هاربين. لم يسمع كلامه غيري. قال بصوتٍ خافت: «ماتوا». خاف الناس. وأنا بكيت أكثر. ثم تجرّعت الألم مرارًا وأنا أنتظر الحافلات. لم أستطع ركوب أيٍّ منها. أردت الهرب، أردت الرحيل. لم أقدر أن أرحل، ولم أقدر أن أبقى. جاء رجل ذات يوم. كانت تمزقات معطفه مخيطة بخياطةٍ مرتبكة، وكان طرف حذائه ممزقًا. وعلى وجهه ابتسامة خفيفة يرمق من حوله بخجل. سأل أحدهم عن الوقت. ولم أفهم قط لماذا ينظرون إلى الفقراء بتلك الطريقة. مرّت أمامنا في ذلك اليوم عشرات السيارات الفارهة. جلس الرجل على الرصيف، ثم مال ببطء إلى جانبه وسقط. أغمي عليه في النهاية. ولم يلتفت إليه أحد، إلا شخصان. جاءت الإسعاف بعد وقتٍ طويل، وقال أحدهم: «ربما أغمي عليه من الجوع». حملوه وانطلقوا صافرين. نظر الجميع وراءهم. كان هناك ضجيج كثير. وأنا صرت أصمّ أكثر. كنت أقول في داخلي: «يا رب، لا أحتمل. لا أستطيع أن أحكي. في هذا العالم ألمٌ أكثر من اللازم. لماذا؟ لماذا أنا؟» كنت أسمع صوت الألم يا رب، وأرى الألم. أستمع إلى الناس، إلى ما يعيشونه، إلى مخاوفهم وندمهم، ولا أستطيع أن أتركهم. لا أستطيع الذهاب إلى مكانٍ آخر. أستيقظ دائمًا في المكان نفسه، وأنام دائمًا في المكان نفسه. لكن لا شيء يتغير… لا أستطيع أن أموت. انفجرت أذناي من صرير الفرامل، واسودّت عيناي من العجز. جاء يجرّ قدميه حتى وقف أمامي تمامًا. في الأربعين أو أقل قليلًا. كان واضحًا أنه متعب شارد. لو حكى لي لسمعتُه. لن أستطيع مواساته، لكنني كنت سأسمعه. لم أستطع أن أقول له: تعال اجلس، استرح قليلًا. يبدو أنه تعمّد أن يخطو خطوة إلى أمام الحافلة. رآه السائق متأخرًا، وضغط الفرامل متأخرًا. لم أستطع أن أفعل شيئًا. لو كنت أقدر على مغادرة مكاني لذهبت إليه. لكن لم يذهب أحد لمساعدته. ظل يتلوّى قليلًا في سكرات الألم. صوّره بعضهم بهواتفهم. ثم مات بصمت. وأنا متُّ… نعم، لقد أعطاني الله روحًا، لكنه كأنما رأى أن العالم غير مستعد للحكايات التي قد يرويها موقفُ حافلة. مع أن أكثر ما كنت أحتاجه هو أن أستطيع الحكي. تعلّمت لغات الناس من كثرة ما سمعت، وحين بلغت من النضج ما يسمح لي بفهمهم، تمنّيت لو أستطيع أن أرجع بالزمن إلى الوراء… وأن لا أتعلم شيئًا. لن تصدّقوا كم تمنّيت ذلك. لو تعلمون كم مضى عليّ هنا… الراحلون، الآتون، والفصول. قبيل الفجر جاءت قطة بهدوء، دخلت، وتمددت على مقعدي. كانت مطمئنة. أخذ الضوء ينسلّ قليلًا قليلًا. لم تكن في الطريق سيارة واحدة ولا حافلة. كان الناس في نومٍ عميق. نامت القطة، وأنا ظللت أتأملها. مرّ عمّال النظافة في لحظةٍ ما. كان كل شيء ساكنًا. وكنتُ أنا، للمرة الأولى منذ زمن طويل، في غاية السكينة.