الغراب والنوارس
ديري10 فبراير 2026

لكلِّ إنسانٍ صدمةُ طفولة يا إبراهيم. أمّا أنا، فقد سئمتُ فقط، سئمت كثيرًا. لماذا يا أخي؟ لأنّ العالم كان يومًا ما يفوحُ جمالًا. الآن كلُّ شيءٍ يفوحُ رائحةَ القذر. ألهذا صعدتَ إلى هنا؟ إذا أنهيتَ حياتك فهل سيصير كلُّ شيءٍ جميلَ الرائحة؟ لا… فقط أنا لن أعود أسمعها. لماذا يا أخي؟ ولماذا لا؟ ليست كلُّ الأشياء تحتاجُ إلى سبب يا إبراهيم. الناس يبحثون عن سببٍ لكلِّ شيء. وأحيانًا… تفعلُ فحسب. مثلي. سئمت، سئمتُ كثيرًا. هل سئمتَ من الشرور؟ هل فعلوا بك شرًا؟ أم أنت من فعل الشر؟ أنا الرجل الذي يغيِّر طريقه كي لا تفزعَ الطيور. أمّا الشر؟ لا أدري… ربما أنا شخصٌ سيّئٌ جدًا. ألا يعرفُ الإنسان شروره يا أخي؟ انظر، أنا منذ أيام سرقتُ محفظةً. أليس هذا شرًا؟ لكن اسألني أنا، فقد شبعتُ يومين. الشرُّ يبقى شرًا حتى لو فُعِلَ لأسبابٍ “جيّدة”. هل لديك سيجارة يا إبراهيم؟ لا والله يا أخي، لم ألمسها بفمي. لو أعطيتك مالًا، تذهب وتشتري؟ لا، أقسم أني لن أتركك هنا. لن أفعل شيئًا حتى تعود، وعد. لكن أنت أيضًا أعطِني وعدًا: لا تُحضر شرطةً ولا أحدًا آخر. هذه الليلة نحن اثنان فقط. حسنًا… لكن إن اشتريتُها، هل ستتراجع عن القفز؟ اسمع، سأحكي لك حكاية. شابٌّ قرّر يومًا أن ينتحر، لكن لم تكن لديه الشجاعة. خاف من الاختناق فلم يشنق نفسه. خاف من العلو فلم يقفز. لا يستطيع ابتلاعَ الأدوية. ظنّ أنه لن يحتمل ألم قطع معصميه. كان يريد أن يموت، أن يهرب من أوجاعه بأسرع ما يمكن، لكنه كان يعتقد أن لكلِّ طريقٍ عائقًا. فلم يفعل. ثم تزوّج، وصار له طفلان. تخرّج الطفلان وتزوّجا. وحين بلغ السابعةَ والثمانين اشترى سلاحًا ووضعه على رأسه. هل تفهمني؟ إن وضعتَ الموتَ في رأسك يا إبراهيم، ستضغط الزناد في النهاية… عاجلًا أو آجلًا. إيّاك يا أخي، الموت لا يحتمل المزاح. أنت تُعطي الموتَ أكبرَ مما يستحق يا إبراهيم. هو جدّي لأنّه… الموت. خطأ… الحياة هي الجادّة. وباءُ الأزمنة الحديثة هو العيش. أمّا الموت فليس مسألةً بهذه الجديّة. المطر يهطل يا أخي. …إذًا سنبتلّ… كنتَ في الثلاثينيات. لا أعرف إن كانت أجمل أعمار الإنسان، لكنك كنتَ في أجملك. لباسك، عطرك، حلاقتك… كلُّها بلا نقص. كنتَ تشبهُ ممثلي السينما التي لم أدخلها يومًا. كان ذهنك صافيًا كما لم يكن، لكنك كنتَ متعبًا جدًا… ولم يلحظ أحد. حين وجدتك كنتَ في علّيّةِ بناءٍ مهجور. تدلّي قدميك إلى الفراغ وتجلس هكذا. حتى في تلك الهيئة كنتَ كاملًا. في البداية لم تُرِدني بقربك، لا أعرف إن كنتَ تريد الوحدة، أم خفتَ مني. كنتُ لم أتجاوز الخامسةَ عشرة، وقد اعتدتُ ألّا يُراد وجودي أصلًا. حين فهمتُ نيتك أردتُ أن أبقى. لا أدري لماذا. ربما أردتُ فقط أن أكون هناك. في تلك اللحظة بدا لي أنّك الأجدر بالحياة. وربما كان عليّ أنا أن أموت بدلًا منك. أنا الذي لم يبقَ لي سببٌ لأعيش، بملابسي الملطّخة، طفلُ الشارع… كان الموتُ يليق بي أكثر. أنا الذي لن يهتمّ أحدٌ بغيابه. لن تضع الصحفُ انتحارَ طفلِ “تنكَر” في صفحاتها حتى الثالثة. حتى عطرُك لم يكن قادرًا على طمس رائحةِ تعفّني. لو عدتُ قليلًا إلى الوراء وأخبرتُك كيف يصير طفلٌ هكذا، لبدأتُ بضربِ الأب في البيت، وضربِ الأطفال الأكبر في الشارع، وضربِ القريب والبعيد… ضربٌ فوق ضرب. لم يرسلوني إلى المدرسة. بعتُ المناديل ومسحتُ زجاج السيارات، ثم سُلبتُ القروش من يدي بالقوة، وضُربتُ لأنّي ربحتُ قليلًا، وضُربتُ دائمًا… ثم رُميتُ إلى الشارع. لو استطعتُ أن أشرح كيف نجوت… هل كان يجب أن أقتل نفسي أنا بدلًا منك؟ كانت قد تجاوزت منتصف الليل بقليل. كنتُ أسكن في ذلك المبنى المهجور نفسه الذي صعدتَ إلى سطحه. كان خريفًا، والشتاء قادم، والشتاء كابوسٌ لمن ينامون في الخرائب. ثلجكم رومانسي… أمّا لنا فهو فزع. لم أحكِ لك ذلك طبعًا، كانت مشكلتك هي موضوعنا. لو أردتَ يا أخي… احكِ لي. حتى إن لم أستطع فعل شيء، ربما يفيد أن تحكي. هل تقرأ كتبًا؟ قراءتي وكتابتي ليستا جيّدتين، لكن حين أجمع الورق أجد كتبًا كثيرة… ولا أفهم لماذا يرمونها. لم أفتح واحدة. فقط قرأتُ مرةً سطرًا وحفظته. ما هو؟ قصير. يقول: “الأغنياء يبدؤون الحرب… والفقراء يموتون.” سارتر… لا أعرف من هو. لكنه قالها جيدًا. أنا لا مالَ لي، والأغنياء يقتلونني. ليس هذا تمامًا ما يقصده. كيف تعرف يا أخي؟ برأيي هذا ما قصده تمامًا. نحن نخوض حربَ الخبز، والأغنياء هم من أشعلها. أرادوا المزيد دائمًا، ملأوا بطونهم حتى التخمة. في جيوبهم مالٌ لا يستطيعون حمله. أمّا نحن الفقراء فنموت من أجل لقمة. بسببهم… بسبب جشعهم. لستَ مخطئًا تمامًا… لم أفكّر هكذا. على كل حال يا إبراهيم، اذهب الآن. “اذهب الآن.” قلتَها بسهولة. ظننتُك مختلفًا. لم يقل لي أحد “ابقَ” أو “تعال”. كانوا يقولون دائمًا: “اخرج من هنا” مع السباب والشتائم. وأنت أيضًا لا تريدني بقربك. حتى وأنت على حافة الموت يزعجك وجودي. تقول “ليس لكلِّ شيء سبب”… لكن لو سألتَ: لماذا أنا في الشارع؟ لو اهتممتَ… ربما كانت آلامنا تشفي بعضَها. نحن شبحان في المدن: لا يرونك وأنت تمرّ، ويخافون مني وأنا أمرّ. لم أستطع أن أقول. خفضتُ رأسي بصمت. هل تستطيع قتلَ ذبابةٍ سوداء يا إبراهيم؟ نعم، لأنها حشرةٌ مؤذية. لا… لأن قدرتك تكفي لذلك… حسنًا، هل تستطيع قتلَ أسد؟ كيف أقتله يا أخي؟ وماذا عن إنسان؟ لماذا أفعل ذلك؟ لا، لا أستطيع قتله. أنت مخطئ. إن توفّرت الشروط اللازمة تستطيع. وماذا عن نفسك يا إبراهيم؟ هل تستطيع قتلَ نفسك؟ حرام يا أخي، حرام كبير. ثم لماذا أريد أن أموت؟ انظر إليك أنت… لماذا تريد الموت؟ أنا لا أملك شيئًا مما تملك… ومع ذلك الحياة جميلة. تستطيع. إمّا أن تكون شجاعًا جدًا أو جبانًا جدًا، ولن تعرف أيهما أنت. أظنّها جبنًا. وأنت جبان أيضًا. في رأسي وحشٌ يريد أن يفكّ قيوده يا إبراهيم. دماغي سينفجر من الألم. كنتَ تتألم، كنتُ أعرف، لكني لم أفهم. هل يوجد ألمٌ أكبر من جوع الشارع؟ لديك مال، سيارة، بيت دافئ، لحم أحيانًا، أصدقاء… ماذا يريد الإنسان أكثر؟ كان المطر يزداد، وتركنا مبلّلين حتى العظم. أنت لم تهتم لأنك ستَموت بعد قليل. أمّا أنا فكنتُ أرتجف من البرد والجوع. ومع ذلك لم أرد أن أتركك وحدك. أنت اخترتَ الذهاب، عزمتَ. كيف أرجعك؟ لم أكن أعرف. كنتُ طفلًا في الخامسة عشرة ولم أعرف نهاية تلك الليلة. هل تقول إن الوقت حان يا إبراهيم؟ لا يا أخي، ليس الآن… ليس بعد. ما زالت أشياء جميلة كثيرة يمكن فعلها. أرجوك، انزل معنا. سأريك مكاني. هيا يا أخي، ليس اليوم… ليس هكذا. سأكون صديقك، تزورني أحيانًا. لا تفعل… بالله عليك لا تفعل. لا يا إبراهيم. اذهب من هنا. يا أخي، أأحكي لك حياتي قليلًا؟ ستتراجع حينها… يا أخي لا تفعل! قمتَ واقفًا. اعتليتَ الجدار القصير للشرفة. المطر كان يجعل الليل أكثر احتمالًا… وكان شعرك يلمع. قلتُ في نفسي: أبهذه الدرجة يليق الموتُ بإنسان؟ كنتَ هادئًا. وأنا أيضًا هدأتُ. جزءٌ مني أراد أن يركض ويمسك بك، وجزءٌ أراد أن يتركك حرًا. تركتك… حين ألقيتَ نفسك في الفراغ ظننتُ أنك ستخفق بجناحيك كطائر. ظننتُ أنك سترتفع نحو السماء. انتظرت… لم يحدث. انزلقتَ إلى الأسفل برفق. ركضتُ إلى الحافة ونظرت. كنتَ مستلقيًا بلا حركة على الرصيف. فجأةً امتلأ المكان بالناس. صرخاتٌ تشقُّ الشارع. موتُك جعلَك مرئيًا… وجعلني مرئيًا أيضًا. عمري الآن سبعة وعشرون. حُكم عليّ باثنتي عشرة سنة. كان ينبغي أن يعطوني أربعًا وعشرين، لكنهم خفّفوا لأنني لم أُتمّ الخامسة عشرة. من كانوا هناك شهدوا. رأوني وأنا أقف على السطح خلفك أنظر. موتُك جعلني مرئيًا. لكنهم لم يروا الدمع في عيني، ولم يسمعوا عويلي. الشرطة لم تصدّق أنه انتحار. قالوا: “أنت دفعتَه.” قالوا إنهم بحثوا عنك: حياتك طبيعية، عمل جيد، بيت، مال كاف. لا سبب لديك للانتحار. لم يفهموك. لم يفهموك هم أيضًا. أمّا أنا فكان لديّ سبب، قالوا… مالُك. بينما لم يخرج من جيبي سوى اثنتين وعشرين ليرة وعشر قروش. لم آخذ مالَه ولا روحَه، قلت. اعتقلوني. اثنتي عشرة سنة وأنا أفكر في شيء واحد: كيف انزلقتَ مثل نورسٍ أبيض. عندها فهمتُ أن النوارس أيضًا تبرد، وأنّ جانبي المظلم لن يتطهّر أبدًا… مثل الغربان.