العودة إلى قصص ديري

العرض الأخير

ديري10 فبراير 2026
العرض الأخير
عاد من شروده البعيد وهو يفكر: «الحلم… هل للحلم عمر؟ هل يحلم الناس بالطريقة نفسها في العشرين، أو حين يكون الجيب ممتلئًا، أو أيًّا كان العمر؟ أهو الحق ذاته أن يعلّق الإنسان قلبه بحلم؟» ابتسم ابتسامة مكسورة بين الوجود والعدم. وفي تلك اللحظة، وبوقاحة، اندفع إلى الداخل موظف المسرح، كبير المتملقين للمدير.
كان عدنان في الكواليس قد أنهى استعداداته، وصفّ دماه على نحوٍ مرتب، فاهتز على كرسيه حين دخل الموظف. كان الفتى صغيرًا، شابًا جدًا. وجهه المنمش وأنفه الذي بدا كأنه ملصق فوقه جعلاه أشد كراهة. وعندما يبتسم يبدو كجثة. قلّب عينيه في عدنان ثم قال بشيء من الشماتة: «القاعة فارغة تمامًا. المدير يناديك.»
حين دخل عدنان مكتب المدير، دوّختْه الرائحة النفاذة أولًا، ثم جعلته ابتسامة المدير القذرة، وهو جالس في كرسي جلدي ضخم نافخًا بطنه، يشعر بالغثيان. كان الاشمئزاز يلتهمه. قال المدير بنبرة متراخية: «تعال، اجلس يا أستاذ عدنان.» كلمة «أستاذ» خرجت من فمه كأنها مُجبرة، وفي عينيه نظرة تعالٍ. كان مستعجلًا، يريد أن ينهي الحديث بسرعة.
تنهد بعمق، وأسند مرفقيه إلى الطاولة، وانحنى يحدق في الغرفة كمن يتجنب النظر في عين عدنان قدر الإمكان.
قال: «اسمع يا أستاذ عدنان. بيننا عشرة. أنت تعرف كم أقدّر الفن، لكن لكل شيء ثمن. إن لم يكسب هذا المسرح، كيف سيدور؟»
نظر إليه كأنه ينتظر موافقة. وحين لم يجبه، تابع:
«أنت من القدامى. رجل شريف وتعرف شغلك. لن ألف وأدور. عروضك منذ أسابيع لا تبيع تذاكر. الأطفال لم يعودوا يهتمون بالدمى. صاروا يريدون التابلت والهاتف. ماذا يفعلون بدمى عدنان المكسورة، أليس كذلك؟»
ابتسم المدير بوقاحة كأنه ألقى نكتة. في رأس عدنان كان يتردد فقط: «الأطفال لم يعودوا يحبون الدمى.»
قال عدنان بصوتٍ واهن: «وماذا يعني هذا يا مدير؟»
قال: «لا داعي لتجميل الكلام. لا تمشي يا أستاذ عدنان.»
قال: «يعني انتهى؟»
قال: «لا نقل انتهى… قل: أنت لا تجلب المال.»
قال عدنان: «لكن…»
قال المدير: «لا لكن. شهر واحد. شهر! ندفع لك مقابل قاعة فارغة. من أين يأتي ماء هذه الرحى؟ لا أحد يسأل. أنا ماذا أعاني؟ لا أحد يفكر. كله عليّ أنا. ما أجملها من بلاد!»
ثم أضاف بسرعة كمن يرمي فتاتًا: «سأعطيك ما تبقى من أجرك. لا تخف.»
خرج عدنان من المكتب كمن خرج من كارثة. رأسه مطأطأ، يعبث بأصابعه، يسحب قدميه كأنه يحمل العالم على ظهره. حان وقت جمع دماه التي صنعها بيده، وكرّس لها عمره.
حشر الدمى في حقيبة قديمة ممزقة. نظر إلى المسرح للمرة الأخيرة. وخرج. كان المدير واقفًا عند النافذة يثرثر: «أنا فعلت ما يلزم. بدون المال لا تمشي الأمور. الناس لا يحبون هذه الأشياء البسيطة. الأطفال لا يهتمون بدمى رخيصة. كم كنت أستطيع أن أتحمل؟ ربما… من يدري؟ ومن يهتم؟» كان عدنان قد اختفى.
تعرف عدنان إلى الدمى صغيرًا. في الصف الثالث أخذَه أبوه إلى ورشة صغيرة في بورصة، قرب بيتهم، وأعطاه لأستاذ يصنع دمى «حاجيڤات وقره غوز». كم غضب يومها من أبيه. وبعد أربع سنوات مات الأب، وصارت رعاية الأم على عدنان. تعرّف إلى فخر كسب المال، فتعلق بالمهنة حتى صارت شغفه. وبعد سنتين ماتت الأم أيضًا. نسي وحدته مع دماه، جعلها رفقةً وبيتًا وولدًا. كانت ضحكات الجمهور وتصفيقهم تكفيه. وخزته الذكرى: «كانت أيامًا جميلة.» مسح دموعه. كان غاضبًا من النسيان أكثر من غضبه من المدير. أقسم لنفسه: «لن أقدم عرض دمى بعد اليوم. والله لا أفعل. أموت ولا أفعل. لماذا أفعل؟ لن أفعل.» وكان يهز كتفه كطفل عنيد.
كان يعصر في كفه بضع ليرات. مشى حائرًا نحو البيت. ماذا سيفعل؟ لا مال ادخره يومًا، ولا شيء يبيعه. كلما فكر اختنق. وقف عند مفترق طريق: «أذهب إلى البيت؟ لا، أولًا أذهب إلى صاحب البيت لأطلب مهلة. ولا طعام في الخزانة. أشتري خبزًا ومكرونة… كيف يقولون لا يحبون الدمى؟ الدمى تعب وصبر. ليست لكل أحد. إن لم تكن واقعية لا تساوي شيئًا. به!» ثم توجه إلى البقال وملأ كيسًا صغيرًا لا يكاد يُرى.
كره أن يمد يده للآخرين، لكن لا بد. ذهب إلى صاحب البيت. كان خجلًا مكسورًا. قال بصوت مرتجف: «السلام عليكم يا أستاذ رستم، إن كان عندك وقت… أريد أن أتحدث.» كان رستم غنيًا، ليس من مال أبيه بل من تعب السنين، يملك بيوتًا ومحلات، كلها مؤجرة، ومع ذلك كان بخيلًا لا يشبع. عيناه غائرتان، وصوته سريع متعال. ما إن رآه حتى قال ساخرًا: «أوووه عدنان! تفضل يا كسول، شممت رائحة الطعام؟ اجلس، لعل بطنك يمتلئ!»
تألم عدنان، لكنه أراد أن ينهي العذاب:
«لا، شكرًا… كنت أريد الحديث عن الإيجار…»
«هممم… قل.»
«أعرف أن عليّ إيجارًا، لكن أريد مهلة. اليوم فصلوني من العمل… إلى أن أجد عملًا جديدًا. سأدفع، أقسم.»
تحول وجه رستم إلى لون الغضب. جنّ وصرخ:
«ماذا تقول؟ أأُعطيك بيتي مجانًا؟ أحد لا يعطيني شيئًا مجانًا، فلماذا أعطيك؟ هذا بيت! ماذا يهمني إن فصلوك؟ هل أنت أبي؟ أخي؟ اخرج! افرغ البيت! وأتني بمالي بسرعة، وإلا ذهبت للشرطة والمحاكم!»
شعر عدنان أن ساقيه لا تحملانه، وأن يدًا تخنق عنقه. ترك آخر ما في جيبه أمام رستم ورحل بلا كلمة. لم يرغب بالموت مثل تلك اللحظة. «لو متّ قبل أن أسمع هذا.» لكنه لم يستطع. عاد إلى البيت، جمع بدلتيه وبعض ثيابه وأدوات صنع الدمى، وخرج صامتًا. مشى حتى الليل، يدفع قدميه نحو المجهول.
لا يدري كم مشى. أظلمت السماء، ولم يبق في الشوارع إلا القليل. وسط نسيم دافئ ممزوج برائحة زهور جديدة، لم يحتمل، فسقط على الرصيف.
وسمع عندها أرق كلمات اليوم:
«يا عم! هل أنت بخير؟ أسرعوا بالماء!»
كان القائل شابًا أسمر وسيمًا، خرج من المقهى المقابل كأنه «الخضر». قال وهو يهزه:
«يا عم! هل متّ؟ قوموا ساعدوا الرجل! هل ضرب رأسه؟»
فتح عدنان عينيه ببطء وقال:
«أنا بخير يا بني… فقط أظلمت الدنيا. ساعدني لأقوم.»
قال الشاب: «هل أنت متأكد؟ نذهب للمستشفى؟»
قال عدنان: «لا، بارك الله فيك. سأذهب.»
قال الشاب: «على الأقل تعال اشرب شايًا ساخنًا.»
لاحظ الشاب تردد خطوات عدنان، فهتف: «تعال… لنتحدث قليلًا.» حمل الحقيبة ومشى به إلى المقهى. هناك انهار عدنان وبكى وروى كل شيء. كان الشاب قلبًا شجاعًا لا يقبل هذا الحزن. لمع في عينيه خاطر:
«يا عمي… اسمع. هناك بيت… بيت عمي. كوخ بسيط لكنه نظيف. هم سافروا إلى فرنسا. البيت فارغ والمفتاح معي. لا تفكر بالإيجار. دعنا نسكنك فيه، والباقي سهل.»
بكى عدنان كطفل. ثم قبل. ومشيا بين بيوت صغيرة حتى وصلا. كان البيت متواضعًا لكنه صالح: حديقة صغيرة، غرفتان، مطبخ، وحمام. في غرفة سرير، وفي الأخرى كنبة وطاولة، وفي المطبخ أدوات قليلة. شكر عدنان الشاب بحرارة. قال الشاب إنه سيعود، وطلب منه أن ينام. ودعه بعناق. لكن عدنان لم ينم. جلس على طرف السرير بثيابه ينتظر الصباح.
مع أول الضوء استيقظ على أصوات نساء يدفعن عربات السوق. خرج إلى الحديقة بعينين منتفختين. أدرك أن السوق قريب. وفهم أن السوق فرصة: «إن لم أقدّم عروضًا، أصنع دمى صغيرة وأبيعها.» كان بيع الدمى كبيع أولاده، لكنه لا يملك خيارًا. «أنا أقسمت ألا أؤدي العرض، لم أقسم ألا أصنع.» أقنع نفسه.
جاء الصيف. بدأ يصنع دمى ويبيعها، ويكسب القليل. بدأ يدفع شيئًا من الإيجار للشاب. أحبه أهل الحي. كان يجلس في الحديقة على بساط ويعمل، يلف تبغه، يحاول التمسك بالحياة. وفي تلك الأيام لفتت انتباهه نافذة الكوخ المقابل. كلما رفع رأسه تحركت الستارة، وظهر خلفها ظل صغير يتردد. بقي سره أيامًا، حتى صار عينين كبيرتين بنيتين. عينان من أكثر ما رآه عدنان انتباهًا. ما إن يمسك إزميله حتى تظهر العينان، تتابعان يديه دون أن تجرؤا على لقاء نظره. لوح له عدنان مرارًا، أشار إليه أن يأتي، فيختفي الطفل إلى الداخل.
سأل عدنان الشاب يومًا: «من هذا الطفل؟»
قال الشاب: «بوراك؟ طيب… لكنه غريب.»
«كيف غريب؟»
«في عقله شيء… ليس مجنونًا، لكنه غريب. قبل سنتين هرب من البيت. بحثنا عنه. وجدناه عند محل التلفزيونات، جالسًا أمام الواجهة، يضم ركبتيه ويهتز وهو يشاهد التلفاز. حين أمسكتْه أمه صرخ صرخة كقطار، يضرب رأسه ويبكي. خفنا. منذ ذلك اليوم لا يخرج. لا مدرسة ولا شيء. أمه خوّفته: سيخطفونك، سيقتلونك…»
حزن عدنان كثيرًا: «مسكين… ما أجمل عينيه.»
فكر أيامًا كيف يصل إلى بوراك. صار يتخيله كابن. لكنه لم يكن يعرف كيف يقنع أهله، ولا كيف يجعل بوراك ينظر إليه. وجاء الخريف، وتعب عدنان من الرطوبة والبرد. لم يعد يذهب إلى السوق. لكنه كان يفكر ببوراك دائمًا.
في المقابل صارت أيام بوراك كابوسًا. انطواؤه ازداد، صمتُه ازداد. كان ينهش أصابعه حتى الدم. يبكي ليلًا حتى الفجر. وأمه تخاف: إن خرج سيقتلونه. كلما اقترب من الباب قالت: «إن خرجت سيقتلونك.» وهذا كان يدفعه إلى الجنون.
قرر عدنان أخيرًا: سيصنع أجمل دمية في حياته لبوراك. اختار أجمل قطعة خشب. أمسك الإزميل والمطرقة والفرشاة. أصابعه كانت تتشقق وتنزف من البرد، لكنه لم يبالِ. حفر الأنف والفم والعينين، صقلها، نظفها، لوّن الوجه، ورنّشه، صنع اليدين والذراعين. كان يعمل كأنه في طقس مقدس. كان يشعر أنه إن ترك شيئًا خلفه لن يخاف الموت.
جاء الشتاء مبكرًا. صار عدنان لا يرى بوراك حتى خلف النافذة. لكنه كان يسمع صراخه أحيانًا. وفي ليلة سمع كلمة واحدة في الشارع الأبيض:
«يا جَدّي!»
عرف أنه يناديه. أراد أن يركض إليه ويقول: أنا هنا. لكنه خاف رد فعل أهله. لم يبق إلا شيء واحد: أن يُنهي الدمية. عمل طوال الليل بأصابع نازفة. وعندما طلع الصباح كانت الدمية قد اكتملت. نظر إلى الخارج: كل شيء أبيض، ثلج يغطي الأكواخ.
وضع كرسيه في وسط الحديقة، رفع رأسه… والتقت عيناه بعيني بوراك. دموع من عدنان، ونور من بوراك. لحظة صافية.
أسند بوراك رأسه إلى النافذة، وجلس عدنان. أخرج الدمية من خلفه ببطء وتنفس. كان قد أقسم ألا «يعرض»، لكنه الآن يُدخل العصا بين أصابعه بشغف. همس لنفسه: «لك يا روحي… لك. آخر عرض.»
فتح بوراك فمه دهشةً، واتسعت عيناه. لو سكت العالم لدقيقة لسُمعت دقات قلبيهما. على مسرح أبيض كان هناك عدنان ودمية وعينان بنيتان. لم يرَ أحد الثلج وهو يتساقط.
حاول عدنان أن يلتقط نظرة من بوراك، لكن بوراك أغلق الستارة وهرب. تجمد عدنان من الحزن… حتى سمع صرير باب الخشب. ثم بابًا آخر. ثم آخر. وفتح باب كوخ بوراك. ظهر بوراك على العتبة، نحيلًا، شاحبًا، يرتدي بيجامة وسترة رقيقة، حافي القدمين على الثلج. وقف لحظة، ثم خطا خطوة. ثم أخرى. كان برد الثلج يصرخ تحت قدميه، لكنه واصل. اقترب حتى صار على بعد نصف متر من العرض. كان يضم يديه من البرد، لكن عينيه لم ترَ الثلج. كان يرى فقط الدمية.
اقترب خطوة أخيرة. تحت دهشة عدنان مدّ يده وأمسك بالدمية. أدخل أصابعه في عصا التحكم. بدأ يحركها بحذر. كان يعيش في عالم آخر، ساكن، صاف.
نظر عدنان حوله، فرأى الأبواب تُفتح واحدًا بعد آخر. أطفال يخرجون من أكواخهم، يبتسمون، يراقبون بوراك. صار «آخر عرض» لعدنان «أول عرض» لبوراك. كان المدير وصاحب البيت مخطئين. في حيٍ منسي كان هناك أطفال جميلون لا يشبهونهم. وكان الأمل، هناك… في مكان ما.