منحدر زَواهِر
ديري10 فبراير 2026

كانت هذه الأرض في الماضي حقولًا، أما اليوم فقد صارت بناية من خمسة طوابق. وحوّلوا الدكان في الطابق الأرضي إلى مقهى. كلما جئت الحي جلست هنا وشربت كوب شاي. طعمه دائمًا بايت ومر، لكنني اعتدت. أراقب المارة في الشارع، وأقرأ عناوين الصفحات الأولى لجرائد قليلة. أؤخر الذهاب إلى البيت قدر ما أستطيع، لأنني كلما وقفت عند رأس ذلك المنحدر، ظهر حسين أمام عيني، وظهر ذلك المساء. أنا ابنُ معلّم. بعض الناس يظنون أن ابن المعلّم «هيبة» و«وجاهة»، لكن حياتنا لم تكن يومًا عادية؛ بل كنتُ دائمًا أكثر طفلٍ وحيد في المدرسة. أذكر أمي جالسة على طاولة المطبخ، ذراعاها معقودتان أمامها، تنظر إلى أبي بعينين فارغتين. وأبي يجلس أمامها، يحكي لها حديثه مع المدير. كانت تستمع وكأن الأمر لا يعنيها. قال أبي بلهجة نيغده حين أراد أن يخفف عنها: «لا تزعلين يا بنت…» كان هذا غالبًا يُجدي، لكن هذه المرة لم تكن غاضبة، بل كانت حزينة. انطفأ بريق عينيها، وانحنى وجهها. كانت تسأله بعينيها. وواصل هو: «أنت تعرفين… في ذلك التحقيق لم أرتكب ذنبًا. إنها حماقة المدير.» قالت بحدّة: «يعني أنت جلست مؤدبًا، والمدير جاء وافترى عليك هكذا؟» قال أبي، وكأن المرارة تتكلم على لسانه: «أهي جريمة أن أقرأ كتابًا، أو أقول شعرًا، أو أُدرب الأطفال على المسرح؟ أهي جريمة أن أفتح لهم نافذةً خارج هذا التعليم الحافظ الذي يبلّد العقول؟ يريدون أن نعلّم فقط ما يحددونه هم. يقولون اسكت فنصمت. نحكي عن الملوك والسلاطين ولا نذكر الناس الذين سُحقوا تحت الظلم. نشرح اكتشاف أمريكا ولا نذكر ما فُعل بالسكان الأصليين. نشرح أنواع الزلازل ونصمت عن المقاولين اللصوص الذين أسقطوا البيوت. نعلّم الحساب ولا نتكلم عن الفقر. كفى! على الأقل لا تقولي أنت هذا…» هزّت أمي كتفيها. نهض أبي ببطء، عدّل كرسيه، ومشى نحو الباب. عند العتبة توقف، دون أن ينظر إليها، وقال من فوق كتفه: «سننتقل إلى مدينة أخرى.» قالت: «قل: نُفيت. لن آتي. أقسم لن آتي معك مرة أخرى. يا عادل، هذا آخر مرة. احمد ربك أن الطفل صغير… وإلا لما بقيت دقيقة. كنت طلّقتك.» في ذلك اليوم خرج أبي ولم يقل كلمة أخرى. جاء بعد أن نمت. رغم السنين، كلما تذكرت ذلك اليوم، شعرت بوجع في أنفي. لا أنسى كآبة أمي ولا انكسار أبي. ثم انتقلنا إلى هنا: إلى «منحدر زَواهِر». حيّ ضيق، شديد الانحدار، ببيوت متقابلة لا تتجاوز ثلاثة طوابق. عشرون بناية مقابل عشرين، كلها قديمة، أكثرها بلا طلاء ولا صيانة. النساء يعلّقن الغسيل على الشرفات، والشارع كله تفوح منه رائحة الطعام، وأكثرها رائحة البصل. مدرستي، أصدقائي، شارعي… كل ما أحب وما أكره تركته خلفي. سجّلوني فورًا في مدرسة أبي، أسفل المنحدر قليلًا، مدرسة ابتدائية صغيرة. مدارس الأحياء تشبه بعضها، أكثر ما يشبهها الأطفال: مآزرهم إما صغيرة ورثوها عن إخوتهم الكبار، أو كبيرة ليستخدموها السنة القادمة. شعر الصبية قصير، وضفائر البنات مشدودة، والجميع يشتركون في رائحة واحدة. يحلمون أحلامًا متشابهة، ويأكلون غالبًا الطعام نفسه في المساء. من يدري؟ لو لم أكن أعرف احتمال الرحيل مرة أخرى، لو استطعت أن أصادقهم… ربما كنتُ صرت مثلهم. لكنني لم أشبههم أبدًا. كنت أذهب وأعود فقط، وأحيانًا أراقب الأطفال من النافذة. وكان هناك هو… الرجل عند رأس المنحدر: حسين… حسين الأعرج. لم أكن أعرف متى يأتي حسين، متى يذهب، متى يأكل. كان هناك دائمًا. صباحًا ومساءً، كأنه مُسمّر في رأس الطريق. لا يتكلم مع أحد. كنت أخافه. كنت أراه عملاقًا، يمد يده فيكاد يلمس الطابق الثاني، كأنه يستطيع حمل سيارة وحده. في نظرته قسوة بلا رحمة. كنت أظنه وحشًا. حين قلت ذلك لأبي غضب: «لفت انتباهي أيضًا. الحي مليء بالفتوات مثله يا أولاش. لكن هذا التفكير لا يليق بنا. علينا أن نرى: هل يمكن كسبه؟» كان أبي هكذا دائمًا. يصدق أنه يستطيع أن يكسب الناس، يقاتل لأجل ذلك، وفي النهاية يُهزم. سأل أبي بعض الناس عن حسين. لم يعرفوا غير اسمه، وأنه يعيش مع أمه، وأن أحدًا لم يره يتحدث. أم وابن منغلقان منذ سنين. في صباح ما، ونحن ذاهبان إلى المدرسة، سلّم أبي عليه. كان حسين في مكانه: «صباح الخير.» شدّ أبي يدي بقوة، ودخلت تحت معطفه. حسين لم يرد، اكتفى بأن قلّب عينيه. قلت في نفسي: حسنًا، سيتركه أبي. لكن أبي ابتسم ابتسامة لطيفة. بعد أيام فهمت ما كان يدور في رأسه. كنا عائدين من المدرسة. أبطأ أبي خطواته، ثم ما إن اقتربنا حتى مشى أكثر اعتدادًا. وقف أمام حسين. بدا حسين كعملاق أمامي. أخرج أبي كتابًا من جيبه ومدّه إليه وهو يتكلم: «خذ يا بني. لا أدري هل تحب القراءة، لكنه من أحب كتبي. ربما يعجبك. اسمي عادل، أُدرّس في المدرسة أسفل الطريق. انتقلنا حديثًا، وأنت بالطبع لاحظت. إن أعجبك آتيك بكتب أخرى… عندي الكثير.» تجمدت. حسين كان ينظر ببرود. لا شكر ولا شتيمة. لا شيء. وربّت أبي على رأسي وواصل: «وهذا أولاش… ابني، في الابتدائية. حسنًا… إلى اللقاء، نراك.» غضبت من أبي. كيف يذكر اسمي لرجل لا يتكلم؟ كيف يتصرف بهذه الألفة؟ لو سمعت أمي لغضبت؛ كانت هذه آخر مرة توافق فيها على الانتقال. قالت إنها ستتركه إن وقع في مشكلة مرة أخرى. لم أرد ذلك، فسكتُّ. وربما… لم أرد أن أحزن أبي. بعد أيام قليلة صار أبي في المدرسة متوترًا على غير عادته. لم أره بهذا القلق. وكنت أسمع الأطفال يتحدثون: آباؤهم يشتكون أبي. بعضهم يشتم، وبعضهم يهدد. هذه المدينة لم تكن مثل غيرها. كنت أرى ذلك حتى وأنا طفل. في طريق العودة، جاءنا رجل يرتدي الأسود. دفعني أبي خلفه بيده، ووقف ثابتًا. الرجل بدأ: «يا أستاذ… أنت لا تعرف هذه الأماكن. لا تدخل نفسك في وجع رأس. عندك طفل… أنا مكانك أجمع أغراضي وأمشي. إن كنت عاقلًا… امشِ.» سأل أبي بهدوء: «وإلا؟» قال الرجل: «سترَ (وإلا). أنا أنذرتك. افعل ما تريد.» ودفع كتف أبي ومضى. كدت أتبول من الخوف. أمسك أبي يدي ومشى. تنفس بعمق، وكان يتكلم مع نفسه دون أن يشعر: «ماذا أفعل؟ أجمعهم وأرحل؟ لن تأتي هذه المرة، أقسمت. ماذا أفعل… أخرج لهم وأقول: افعلوا ما تريدون؟ لا… أولاش هنا.» ثم رفع عينيه نحو رأس المنحدر كأنه وجد شيئًا: «حسين… حسين الأعرج! أعرف أن كل هذا من تحت رأسك. أعطيتك كتابًا فقط، لتقرأ وتصبح رجلًا… يا حسين. الكتب لا ينبغي أن تقتل الناس، ولا ينبغي أن يموت الناس بسبب الكتب. الأطفال يجب أن يقرأوا… الجميع يجب أن يعرف الحقيقة. آه… لقد أقسمت أنها لن تأتي.» اقتربنا من البيت. تماسك. حتى المنحدر لم يجعله يلهث هذه المرة. تكلمنا قليلًا على مائدة الطعام، ثم نمت. لم أنم يومًا بهذه الصعوبة. رأيت كوابيس، استيقظت مرارًا. في الصباح كان منفض السجائر ممتلئًا، وأبي في المطبخ. مرت أيام لا تختلف. قليل من الكلام، قليل من الطعام، قليل من النوم. حسين في مكانه. ما إن يرانا من بعيد حتى يثبت نظره علينا حتى ندخل البيت. كان أبي يشد يدي أكثر، ويخطو خطوات أكبر. كنت ألتفت فأراه يقطب حاجبيه، يضغط مسبحته في كفه… فأسرع بوجهي إلى الأمام. أمي كانت لا تعرف شيئًا. وأنا وأبي، شريكان في سرٍ ثقيل، نُسحق تحت مجهول كبير. لم ننتظر طويلًا. في تلك الليلة المظلمة حدث ما حدث. عندما قال أبي إن لديه أعمالًا في المدرسة وسيخرج متأخرًا، لم أرد العودة وحدي، فقلت سأنتظره. حين خرجنا كان الليل قد هبط والطرقات خلت. عندما اقتربنا من المنحدر رأيت ثلاثة رجال ضخمين يأتون من الجهة المقابلة. معاطف سوداء على الأكتاف، أيدٍ خلف الظهور، وابتسامات ساخرة. وضعني أبي خلفه، تردد بين الوقوف والمشي. تشبثت بذراعه. قلبي في فمي. وقفوا أمامنا. قال أحدهم بصوت غليظ: «حذرناك يا أستاذ. لم تسمع، لم ترحل.» حاول أبي أن يبقى هادئًا: «يا شباب، لا داعي. أنا معلّم، لست عبدًا لأحد. ماذا فعلت لأرحل؟ لأنكم قلتم اذهب؟ لو كان الأمر هكذا… من أنتم؟ انصرفوا.» كلمة «انصرفوا» ألهبتهم. سمعت شتائم. قال أحدهم: «مدرسة!» وبدأ الدفع. ارتفعت الأصوات كطنين. رأيت شيئًا معدنيًا يلمع في الظلام. رفع الرجل يده واندفع نحو أبي. كان الضجيج كثيرًا حتى إنني لم أسمع صراخي. انطرحت على الأرض وأغمضت عيني. لا أعرف كم بقيت هكذا. فتحت عيني على يد باردة تهز كتفي… كانت يد أبي. لم يكن أحد. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، ودموعه متجمدة، ينظر إلى الأرض. نظرت… كان رجل ممددًا في الدم. وعندما رأيت المسبحة الدامية في يده عرفته. كان حسين الأعرج. صار الحي ساحة حرب: شرطة، إسعاف، ناس يركضون، صراخ. ذهبت وجلست في زاوية حسين المعتادة، أراقب كل شيء من هناك. أنظر إلى حسين من مكان حسين. وفي لحظة رأيت امرأة تتقدم نحونا بخطوات مرتعشة، يداها على بطنها، تفرك كفيها. لم تدخل الزحام. وقفت بعيدًا تبكي. جاءها بعض الناس، وأسند أحدهم ذراعها. صار منحدر زواهِر جحيمًا. أمسكوا الرجال الثلاثة. اتضح أنهم والد أحد تلاميذ أبي وأصدقاؤه. قالوا في دفاعهم: «كتاب… ومسرح للأطفال». وأن حسين تدخّل فأصابته الطعنة، وأنهم لم يقصدوه. قصدهم كان أبي. بقي حسين خمسة وعشرين يومًا في العناية المركزة. أبي لم يتكلم خمسة وعشرين يومًا. أمي كانت تفرغ المنفضة خمسة وعشرين يومًا. رأس المنحدر بقي فارغًا خمسة وعشرين يومًا. وفي اليوم السادس والعشرين، جاء خبر موت حسين، وجاءت أمه إلى بابنا. رأسها منخفض، يداها ترتجفان، هالات سوداء تحت عينيها. أدخلتها أمي بصمت. أشارت لي أن أذهب إلى غرفتي. قالت المرأة: «إن لم يكن مانع، دعْه يبقى.» فبقيت. بعد صمت طويل بدأت تحكي: «كنّا في أنقرة… في بالغات، في بيت فقير. راسِح، أبوه، هو سمّى حسين. قبل ولادته بسنة قتلوا رجلًا يعرفه ويحبّه. قال: ليكن اسمه حسين. صار حسين. كان حسين ست سنوات… لا أنسى ذلك اليوم الأسود. ذهب راسح إلى المقهى، وأخذ حسين معه. قلت له: لا تأخذه، لكنه قال: ليس مقهى عاديًا… دعه يأتي. ذهبوا. من أين كان يعرف أنهم سيطلقون الرصاص تلك الليلة؟ أن رصاصة ستأخذ روحه، وأخرى ستجعل ابنه أعرج؟… لم يمض عام حتى أخذت ابني وهربت إلى هنا. فقير… رأى أباه يموت أمامه، وبقي هو معاقًا. لم يشفَ أبدًا. كان يقف أول الأمر عند زاوية الطريق وينظر إلى المدرسة… لا يقترب من الأطفال. لم يذهب إلى المدرسة المسكين. كان نحيلًا ضعيفًا. ثم كبر… وتعلّق بالزاوية. المقهى الذي قُتلوا فيه كان في بالغات عند رأس منحدر. في داخلي أعرف: كان ينتظر طريق القتلة. جعل زواهِر بدل ذلك المنحدر. ينظر تارة إلى المدرسة شوقًا، وتارة إلى الطرق يحرس الحي بطريقته.» كانت تبكي، ونحن نبكي. اعتدلت قليلًا، أخرجت المسبحة من جيب صدريتها. مسبحته… التي أعرفها. نظرت إليها طويلًا وتنهدت. ثم قامت، ركعت أمامي، وضعت يدًا على ركبتي، ووضعت المسبحة في كفي. «هذه المسبحة ورثها راسح عن أبيه، وحين مات لم يبق لحسين غيرها. قبل أن يموت أرسلها لك وقال: “الأبناء يحتاجون آباءهم، والآباء يحتاجون أبناءهم. أنقذتُ أباه… لن يكون بلا أب مثلي يا أمي.”» كانت أم حسين قد جاءت من أجلي. حسين نفسه أرسلها. لتنظر إليّ للمرة الأخيرة… لتربيني. ومنذ ذلك اليوم كان التماسك صعبًا. ذهبنا إلى المدرسة وعدنا، تبدلت الفصول، ومضت السنوات. كلما جئنا إلى رأس المنحدر، كان أبي يومئ برأسه تحيةً لذلك الفراغ، تحية خفية لا يراها أحد… إلا أنا. لم يرحل أبي وأمي من هنا، أحبّا زواهِر. أنا وحدي كبرت، وغادرت. والآن، كلما جئت هذا الحي أشرب شايًا مرًا أمام المنحدر. أحيي فراغ حسين بإيماءة خفيفة. لا أحد يرى. أنا وحدي أعرف.