العودة إلى قصص ديري

11:53

ديري10 فبراير 2026
11:53
عندما فتح الهاتف كان الطرف الآخر على وشك أن يغلق. هو غالبًا لا يجيب. وإن أجاب، فإن تردده بين الإجابة وترك الرنين حتى اللحظة الأخيرة يجعله يضغط الزر في آخر ثانية. حين رأى الاسم على الشاشة اضطرب. كل مرة يتصل ذلك الرجل لا بد أن يجلب معه مشكلة. لا بد أنها إحدى الأعمال الشاقة التي سيلقيها على كتفيه. المتصل كان مدير أعماله.
جاء الصوت متحمسًا:
«كيف حالك؟»
قال الكاتب ببرود:
«حتى هذه اللحظة كنت بخير. الآن لا أعرف. هذا يعتمد على ما ستقوله. ما المشكلة هذه المرة؟ هات ما عندك.»
قال المدير بسرعة:
«لا، لا، ليس هناك مشكلة. بالعكس… كل شيء رائع. كتابك الأخير وصل إلى مئة ألف نسخة. في وقت قصير! نجاح كبير، والناس يعشقونه.»
قال الكاتب:
«لن تترك لي فرصة لأنسى، أليس كذلك؟»
«تنسى ماذا؟»
«دعك. ماذا تريد؟»
تدارك المدير نبرةَ الكلام وأكمل:
«لا أريد شيئًا. أنت تعرف أننا اتفقنا مع مكتبة “هاملت” على يوم توقيع. طلبت مني أن أذكرك قبل يوم… حتى لا يضيع في زحمة انشغالك.»
قال الكاتب:
«هل هو غدًا؟»
«نعم، في الثانية ظهرًا، ويجب أن نكون هناك في الواحدة.»
قال الكاتب وهو يختنق:
«حسنًا… أدخلني وسط ذلك الزحام اللزج. قلت لك خمسين مرة: لا أريد. أكره حفلات التوقيع. أنت تقول بنفسك إن الكتاب يبيع. لماذا إذن؟ ستفعل شيئًا يغيظني لا محالة.»
قال المدير:
«إن شئت قلت إنك مريض وألغيت.»
قال الكاتب:
«لا… فات الأوان. تعال غدًا وخذني، واتصل قبل أن تصل.»
أغلق الهاتف، وأخرج غضبه في الكتب المصفوفة على الكومودين. ركل الكتب المبعثرة في وسط الصالة. لم يكن يريد أن يوقّع. وجود الناس كان عذابًا له. البيت كان ملاذه. كلما خرج اضطرته الظروف إلى الخروج، أصابته نوبات هلع لا تنتهي. مجرد فكرة الذهاب إلى التوقيع كانت تشعل فيه خفقان القلب وانهيار الأعصاب. وفي داخله كان يلعن ذلك «المدير» الذي خطط كل شيء.
في الحقيقة كان يستطيع أن ينظم أموره بنفسه: يحدد مواعيد التوقيع بحسب مزاجه، ينظم الندوات، يذهب إلى الجامعات… دون أن يحتاج أحدًا. لكنه لا يستطيع. لأنه كان يعاني نسيانًا متقدمًا. ولم تكن لديه مهارة الحاسوب لمتابعة التنظيم. وكان، بسبب عمره أيضًا، تقليديًا أكثر مما ينبغي. لذلك كان يكتب كل ملاحظاته في دفاتر: مسودات القصص، الأعمال التي عليه إنجازها، حتى وصفات الطعام. ثم ينسى أين وضع الدفاتر. ذهب للطبيب، فحصوا دمه، عاد بكيس من الفيتامينات، ولم يجد علاجًا لنسيانه. والأغرب أن النسيان لم يكن منتظمًا: أحيانًا ينسى أبسط الأشياء، وأحيانًا لا ينسى أبدًا، بل تبقى الفكرة مسمارًا في رأسه… حتى لو أراد أن ينساها.
جاء يوم التوقيع. خرجا في الثانية عشرة. الطريق كان طويلًا لا ينتهي، وهذا زاد ضيق الكاتب الذي لا يريد الذهاب. وصلا في الوقت تمامًا. كل شيء كان جاهزًا، والقراء بدأوا يأتون. حين حل وقت التوقيع كان الكاتب يدعو أن ينتهي هذا الجنون بسرعة. الطابور امتد… الناس يريدون توقيع الكتاب وصورة معه. ذلك جعله أشد توترًا.
بعد ساعات من التعذيب انتهى الطابور. كان مرهقًا. أراد العودة إلى البيت فورًا. صداع شديد يمزق رأسه، ولم ينفع معه المسكن. قال لمديره أن يسرعا. بعد رحلة أخرى طويلة وصل أخيرًا إلى البيت.
كان على وشك أن يموت من التعب. صنع لنفسه شيئًا بسيطًا بين رغيفين، وأكله مع كوب ماء. ابتلع مسكنًا آخر. انتظر… لم يهدأ الألم. تناول دفترًا فارغًا. أراد أن يكتب. لكن رأسه كان فارغًا تمامًا. شعر أنه استُنزف. لم يكن راضيًا عن كثير مما كتب في حياته، باستثناء كتابه الأخير. هذا كان يجننه. قرر أن ينام. النوم سيُصلح الأمر. لكنه، وهو يستعد للذهاب إلى السرير، ضربت رأسه موجة ألم مرعبة. دار به العالم، وسقط. لا يذكر شيئًا بعد ذلك. حين استعاد وعيه أدرك أنه كان فاقدًا للوعي نصف ساعة. لم يكن لديه قوة ليذهب للمستشفى. قرر أن يستريح ثم يذهب. خاف أنه ضرب رأسه.
استلقى ربع ساعة، ثم ارتدى ثيابه ببطء، واستدعى سيارة أجرة وذهب إلى أقرب مستشفى. في الطوارئ فوجئ بالازدحام. سجل اسمه وانتظر بهدوء. حين جاء دوره شرح للطبيب الشاب، الذي بدا منهكًا وشاحبًا في أواخر العشرينات، ما حدث. فحصه قدر ما تسمح الإمكانات. لم يجد مشكلة واضحة. قال إن ضغطه منخفض قليلًا وربما انخفض أكثر لحظة الإغماء. ونصحه بمراجعة طبيب أعصاب قريبًا.
الكاتب لم يكن مهووسًا بالصحة، لكن الإغماء أفزعه. حجز بسرعة موعدًا عند طبيب أعصاب. كان الموعد في اليوم التالي. حتى الموعد لم يشعر إلا بصداع خفيف، وهو أمر معتاد لديه منذ مدة… لكن الإغماء كان جديدًا.
في يوم الموعد ذهب وحده بالتاكسي. شرح للطبيب الصداع المزمن، ولحظة الانهيار، والألم الحاد. سأله الطبيب:
«هل تتناول دواء؟»
قال:
«فيتامين ب١٢ فقط.»
طلب الطبيب فحوصًا كثيرة: تصوير بالرنين وبالأشعة. قال إن النتائج ستظهر بعد يومين.
بعد يومين عاد إلى العيادة.
قال الكاتب:
«مرحبًا دكتور… يبدو أن النتائج ظهرت.»
قال الطبيب:
«وصلت قبل مجيئك بقليل. لم أنظر إليها بعد.»
كان الكاتب يراقب وجه الطبيب ليقرأ منه شيئًا. وما إن نظر الطبيب إلى الشاشة حتى شدّ نظره، وانطفأ وجهه، وتحركت يداه دون وعي. لم يفت هذا على الكاتب.
قال الكاتب:
«هل هناك مشكلة؟»
قال الطبيب، يبحث عن أبسط الكلمات:
«لا أعرف كيف أقولها. سأقولها مباشرة: هناك كتلة داخل جمجمتك. حجمها أقلقني قليلًا. لكن يجب أن تعلم أننا لا نعرف بعد هل هي حميدة أم خبيثة. مهما كان الأمر لا أريدك أن تقلق. لدينا طرق علاج.»
بينما كان الطبيب يتكلم، كان الكاتب في عالم آخر. فكرة واحدة فقط: سأموت. لم يكن يخاف الموت في ذاته، بل كان يخاف أن يموت ببطء، مُنهَكًا، كل يوم أسوأ من الذي قبله. لم يستطع الاستماع أكثر. استأذن وخرج بصمت.
عاد إلى البيت. اختفت علامات الاستفهام: عرف سبب نسيانه، وعرف مصدر صداعه. ومع ذلك كان حاسمًا: لن يسمح لمرض أن يمحوَه. علاج كيماوي، وزن يتساقط، شعر ينهار… «ولماذا؟» قال في داخله. «لأجعل الموت أكثر فظاعة؟» لن يسمح.
توالت الفحوص. قرروا إجراء اختبار نسيجي لمعرفة طبيعة الورم. الطبيب أراد التعجيل، لكن الكاتب لم يكن جاهزًا لسماع الحقيقة. اختلق أعذارًا: قال إن لديه توقيعات وسيزور مدنًا. اعترض الطبيب بغضب، ثم استسلم أمام إصراره. اتفقا أن يكون الفحص بعد ثلاثة أشهر.
خرج من العيادة وقرر أن يمشي إلى البيت. المسافة لا تعنيه. سار ساعة واثنتي عشرة دقيقة، وصل، أقفل الباب بإحكام، صامت هاتفه… وأطلق دموعه. بكى حتى نام.
حين استيقظ، مد يده إلى الهاتف دون إرادة. خمس مكالمات فائتة ورسالتان من المدير. لم يرد. أغلق الهاتف تمامًا. تساءل: «وأنا أنسى الجميع… لماذا لا أستطيع أن أنسى الذين أريد نسيانهم أكثر؟» ارتدى ملابس البيت، جلس على كرسي القراءة، وظل ساعات يحدق في الحائط.
قال الطبيب: «كتلة… ربما خبيثة.» لم يشعر الموت يومًا بهذا القرب. أن يترك كل شيء خلفه، وأن لا يترك أثرًا منه، سوى ما كتب… كان يمزقه. مرّت أيام وهو غارق. ثم اعتاد الفكرة. ربما الورم حميد. وإن لم يكن، سيجد طريقًا للنجاة.
تعلم وحده استعمال الإنترنت من الهاتف. كان أسهل من الحاسوب. بحث عن المرض وأعراضه وطرق علاجه. صار لديه تصور. ثم فضوله قاده إلى وسائل التواصل. كان لديه حسابات يديرها المدير، لكنه نسي كلمات المرور. فقرر أن يفتح بريدًا جديدًا. نجح. ثم فتح حسابًا. وتعلم شيئًا فشيئًا. وهكذا مضت الأشهر الثلاثة… والآن صار يعرف ما هو.
في أحد الأيام وصلته متابعة من حساب مجهول. لم يهتم أولًا، ثم فتحه بدافع الفضول. الحساب يبدو عاديًا، منشوراته منتظمة، لكن موضوعها واحد: الاكتئاب. قرأ كثيرًا. وكان هناك شيء غريب: لا متابعين لهذا الحساب، وهو يتابع الكاتب وحده.
في صباح ما أراد أن يقرأ منشوراته. لاحظ أن الحساب في بث مباشر. شيء في داخله قال: ادخل… لكنه لم يدخل. في اليوم التالي وجد نفسه هناك من جديد، وفي اللحظة نفسها بدأ البث. هذه المرة دخل. كان المتابع الوحيد. الباث في غرفة مظلمة، لا يظهر منه إلا صوته وظلٌّ باهت. الغريب أنه تابع الحديث كما لو أن الكاتب غير موجود. ثم أغلق البث بلا كلمة.
بدأ الكاتب يتعلق به. كان هو نفسه في اكتئاب ثقيل، ومنشورات الرجل عن الاكتئاب كانت تشبهه. صار ينتظر بثه. وبعد أيام لاحظ أن البث يبدأ كل يوم في وقت واحد: قبل الثانية عشرة بسبع دقائق. لم يتغير أبدًا. «شخص غريب حقًا» قال لنفسه.
كل يوم صار يمسك الهاتف منتظرًا. ثم جاءت مفاجأة: في صباح ما بدأ البث، لكن الغرفة كانت مضاءة بإتقان. الرجل يرتدي سويتشيرت أسود بغطاء يخبئ وجهه. الطاولة، اللوحة الكبيرة خلفه… كلها سوداء. والمتابع الوحيد كالعادة هو الكاتب. استمر البث طبيعيًا حتى النهاية. في الثواني الأخيرة توقف الرجل عن الكلام، ملأ كفه بالأقراص، بقي لحظة كأنه يثبت عينيه على الكاتب، ثم ابتلعها كلها. رفع رأسه قليلًا، وقال جملة واحدة:
«لا تنسَ الصفر.»
ثم أُغلق البث… عند الدقيقة الثامنة والعشرين تمامًا.
كانت تلك أول مرة يتواصل معه مباشرة. «لا تنسَ الصفر»… ماذا يعني؟ جنّ الكاتب من الفضول. فتح الحساب… لا بث. انتظر أيامًا… لا صوت. خاف أن يكون مات. لكنه لم يستطع أن ينساه.
أخذ دفترًا ليكتب عنه. وحين فتحه وجد سطورًا مكتوبة من قبل. ما إن قرأها حتى سقط على الأرض، يدور رأسه ويغثى. كيف؟ قرأها ثانية:
«أنت تعرفه جيدًا.
أنت بعيد عنه، وأحيانًا قريب جدًا.
الرجل الذي سيعثر عليك
سيصير يومًا بطلًا لك…»
وتحتها:
«هو يقول الحقيقة.
تمسّك بوعدك.
لا تنسَ الصفر.»
قرأها مرارًا بلا فهم. لماذا الجملة نفسها في دفتره؟ جلس حتى هدأ. ثم عاد إلى حساب الرجل يبحث عن شيء. ثم انتبه لشيء كان أمام عينيه: كل منشورات الرجل نُشرت عند الساعة الثانية وأربع عشرة دقيقة… لا، الثانية وثماني عشرة دقيقة. (14:18). لا معنى… إلا أن...
كتب الكاتب في دفتره:
قبل الثانية عشرة بسبع دقائق.
ثمانٍ وعشرون دقيقة.
عند 14:18.
ثم حوّلها إلى أرقام:
11:53
28
14:18
صرخ من الدهشة. هل يمكن أن تكون رقمًا؟ كتبها على شكل سلسلة:
115 328 14 18
حاول أن يتصل. رسالة: «رقم خاطئ أو ناقص.» تذكر: «لا تنسَ الصفر». أضاف الصفر… واتصل:
0115 328 14 18
ثم عاد الصوت نفسه: «رقم خاطئ أو ناقص.»
بقي احتمال أخير، مستحيل… لكنه جرّبه. في الصباح اتصل:
115 328 14 180
هذه المرة طال الرنين… ثم أُجيب. صوت رجل عميق:
«لماذا استغرق الأمر كل هذا؟»
قال الكاتب:
«من أنت؟»
قال الرجل:
«أنا الذي سينقذ حياتك. إن أردت أن تعيش، فأنا من يفعل ذلك.»
قال الكاتب:
«اشرح.»
قال الرجل:
«قبل نحو ستة أشهر التقينا. وعدتني بشيء. إن لم تفِ به، ستموت بعد يومين، الساعة الثامنة والربع مساءً.»
ارتجف الكاتب:
«هل تريد مالًا؟ لن تأخذ قرشًا. سأبلغ الشرطة.»
قال الرجل:
«كما تشاء.»
وأغلق.
بعد يومين، أخذ الخوف الكاتب. في آخر لحظة اتصل ثانية. هذه المرة أُجيب سريعًا، والحديث صار كالسكاكين:
«الوعد.»
«أي وعد؟»
«وعدت أن تعترف في بث مباشر أن قصص كتابك الأخير ليست لك… إنها لي.»
حاول الكاتب أن يساوم، أن يطلب دليلًا، أن يطلب وقتًا. الرجل كان يعرف كل شيء: الدفتر الأسود، التوقيت، حتى طريقة اختياره. وفي الدقيقة الأخيرة كشف:
«أنت لا تملك دقيقة… أنت متّ قبل أربع عشرة دقيقة. انتحارك كان خطة: أن تبدّل الدواء الذي ستشربه اليوم بسمّ لا يظهر في التشريح. عندما رنّ منبّهك ابتلعته. لم تكتب شيئًا كي لا تخاف، ولم تخبر أحدًا لأنك لا تثق بأحد. والآن… انتهى الطريق.»
قال الكاتب بصوت مكسور:
«سمحتَ بموتي. لعبت بي.»
قال الرجل:
«في هذه اللعبة خسرنا نحن الاثنان. وداعًا…»