العودة إلى قصص ديري

السقوط

ديري10 فبراير 2026
السقوط
سقطتُ… أغمي عليّ. حين فتحتُ عيني في وحدة العناية المركزة بالمستشفى كان كل شيء من ماضيّ غارقًا في السواد. تلاشى كل شيء، حتى اسمي. كنتُ كمن لا يعرف نفسه. قالوا إنني ضربت رأسي وأنا أسقط. «صدمة في الرأس» هكذا وصفوها. قالوا إن الذاكرة قد تعود، وقد لا تعود أبدًا. وإن عليّ أن أتعلم العيش بهذا، وأن أفعل أشياء تذكّرني بماضيّ.
وفي أثناء حديثنا دخل هو الغرفة. في يده باقة كبيرة من الزهور، وعلى وجهه ابتسامة واسعة. قال: «إذًا استيقظتِ… يا له من شعور رائع أن أرى عينيكِ من جديد.»
كان الرجل يبدو وسيمًا، أنيقًا، كارزميًا، أشبه بسيد مهذب. قالوا إنه زوجي. لم يغادر المستشفى دقيقة واحدة. يقول الأطباء إنه بقي هنا اثنين وعشرين يومًا كاملين. ذراعي مكسورة، وساقي متشققة من ثلاثة مواضع، وفي وجهي وأذني جروح متوسطة، ثم تلك الصدمة في الرأس. وحين سألته كيف حدث ذلك بدأ يروي:
«كنتُ قد عدت من العمل، ناديت: لقد عدت يا حبيبتي. وأنتِ أعددتِ لي مفاجأة على السطح… مائدة جميلة. وأنتِ تركضين نحوي التوى كاحلكِ على الدرج وبدأتِ تسقطين. ركضتُ لألحق بكِ لكن الوقت كان قد فات. ثم جئنا إلى المستشفى فورًا. خفت عليكِ كثيرًا… لا تتخيلي.»
كان يتحدث، لكن كلماته لم تكن تعني شيئًا بالنسبة لي. لا بد أنني كنت أحبه جدًا… ومع ذلك كان كل شيء بلا معنى.
في اليوم التالي اكتملت إجراءات خروجي، ورأيت أن المكان الذي نعيش فيه أكبر مما تخيلت. كنا نعيش في فيلا داخل أرض شاسعة. زوجي، كما يقولون، جهز البيت قبل أن أعود، وقلص عدد العاملين إلى النصف، وتكفل هو وحده برعايتي. كان ينزلني إلى الحديقة لأستريح، وفي ذلك الوقت يطلب تنظيف غرفتي. كان يؤمن أنني لا ينبغي أن أواجه أحدًا الآن. كان يقول: «سأفعل كل شيء كي تتذكريني أولًا.»
والحقيقة أنني كنت أريد هذا أكثر من أي شيء. كانت قصصه جميلة إلى حد أن نسيانها كان ظلمًا لزواج كهذا. كنت أتنهد مبتسمة: ليتني أتذكر.
كان يقول مثلًا إنني أحب صيد السمك معه في البحيرة خلف البيت. «كنتِ تتسلقين الأشجار وتأكلين ثمارها» يقول. أشياء طفولية، لكنها كانت تعجبني. يا ليتني أتذكر.
ومع الأيام، حتى إن لم أستطع أن أتذكره، كان اهتمامه وتصرفاته يزرعان فيّ الأمل. تعافيت تمامًا. شفيت ساقي وذراعي. أردت الخروج. سألته يومًا: «هل كان لي أصدقاء؟» قال إنني لم أكن كثيرة الخروج، وإن أصدقائي قليلون. وقال أيضًا إنه لا والدين لي. حزنت حين سمعت ذلك أول مرة، ثم اعتدت. قال إننا كنا زوجين وأفضل صديقين في الوقت نفسه. قلت لنفسي: إذا كنا نكفي بعضنا فلم لا؟ صرنا نبتكر وسائل للمرح داخل البيت. لعبنا الورق، اصطدنا السمك، تسلقنا الأشجار. كنت سعيدة كطفلة. كان كل شيء قريبًا من الكمال… حتى ذلك اليوم.
في ذلك اليوم سألته: «وأين والداك أنت؟» فتشنجت ملامحه فجأة حتى ظننت أنه سيفقد صوابه. ثم انطفأ وجهه وغرق في صمت كثيف. قال بصوت خافت: «ماتا.» ثم غير الموضوع. فهمت أن هناك مشكلة، لكنني لم أضغط عليه. ومع ذلك كانت فضوليتي تلتهمني. أجلت الأسئلة.
بعد أن تعافيت جسديًا بدأت أطبخ له بيدي كي أسعده. كان يذهب إلى المصنع ويعود، يأكل طعامي، ونتحادث ثم ننظر إلى الصور أحيانًا. لم أكن «محبة للكاميرا» كما يبدو. في الصور حزن دائم على وجهي. لم أكن أحب التقاط الصور. الغريب أنني الآن أيضًا لا أشتهيها.
تعلمت وصفة شاي عشبي كانت تفيده كثيرًا. كل مساء كنت أحضر له كوبًا وأراقبه يشربه بسرور.
وفي إحدى الليالي، وهو يشرب الشاي بسرور، سألته مرة أخرى:
«حبيبي… هل ترغب أن تتحدث عن والديك؟»
عاد ذلك الصمت. ثم همهمة تشبه «لا». لكنني تابعت:
«أريد أن أعرف كل شيء عنك… كل تفصيلة. هيا احكِ لي.»
قال: «قلت لك ماتا.»
قلت: «حسنًا… لكن كيف؟»
قال: «حادث سير. كنت في الثامنة فقط. كنا ميسورين. لم تكن هناك مشكلة في من يرعاني. لكنهما رحلا.»
قلت: «كنت صغيرًا جدًا.»
قال مبتسمًا ابتسامة متعبة: «الشاي رائع… سلمت يداكِ.»
وغير الموضوع مرة أخرى. ولم أسأله بعدها.
في تلك الليلة كان يتقلب في السرير كأنه يبحث عن وضعية تصلح للنوم. نمت ولم أعلم متى نام. لكنه نام… لأنه استيقظ فجأة وهو يصرخ: «أمّي!» فقفزت أنا أيضًا. كان يتصبب عرقًا وعيناه دامعتان. وحين أدرك أنه حلم لم يرتح كما توقعت، بل ازداد توترًا. نهض وغادر. لم أقل شيئًا. تركته وشأنه. وكان ذلك يمنحني، بأنانية خفية، لذة غريبة.
مرّت أيام. كأنه تحول إلى إنسان آخر. صار صامتًا، منغلقًا، عصبيًا. وخلال تلك الأيام كان يستيقظ كل ليلة صارخًا: «أمّي!» بدأ ذلك يرعبني. لم يكن لدي ما أفعله إلا أن أزيد قليلًا من جذور الأعشاب في الشاي وأدعو أن يؤثر فيه. لم يكن يسمح لي بغير ذلك.
ومع الوقت صار بعض الليالي لا يأتي إلى السرير أصلًا. كلما نزلت لأتفقده وجدته مستيقظًا، كأنه يخاف النوم. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، يقاوم النعاس. أعطيه الشاي وأعود إلى فراشي عاجزة. كنت أريد أن أصدق أن الأمر نزوة عابرة. لكنه في الآونة الأخيرة توقف عن الأكل أيضًا. لم أحتمل. سألته:
«حبيبي… هل تريد أن تتحدث؟»
قال بقسوة: «لا!»
كانت «لا» قاسية إلى حد جعل ركبتي ترتجفان. انكمش في داخلي خوف قديم. قلت: «حسنًا.»
وبينما كنت أسير إلى المطبخ وصلني صوت كأنه همس. كان يتحدث إلى نفسه:
«لم أستطع يا أمّي، كنت في الثامنة… كيف لي أن أقدر؟ لم يكن ذنبي… لا تقولي ذلك… لا تقولي أمّي… أنا لم أقتلك… سامحيني… أبي كان قد عقد العزم… لم أستطع منعه… سامحيني…»
أحيانًا كان يصرخ في البيت كأنه يتشاجر مع أمه، وأحيانًا يبكي، وأحيانًا يضحك. كنت أخاف، وفي الوقت نفسه كنت أشفق عليه جدًا. لا أستطيع إلا أن أشفق. كنت مصممة: سيعود كل شيء إلى صوابه، وسأقاتل من أجل ذلك بكل ما فيّ. حاولت إجباره على الأكل بلا جدوى. توسلت إليه أن نذهب للطبيب فرفض. قلت: ربما يريحك الذهاب إلى المصنع، لعل ذهنك ينشغل. تردد قليلًا وقال: «ربما.»
وبعد مدة بدأ يذهب إلى المصنع. بدا وكأن رأسه انشغل حقًا. صار ينام قليلًا ويأكل قليلًا، بالقدر الذي لا يموت معه فقط. لكن حديثه مع نفسه لم يقل، بل صار يضيف إليه ردود فعل كأن شيئًا يظهر أمامه فجأة؛ يتوقف ليتفادى الاصطدام، ثم يعود:
«لم أفعل… لا تغضبي يا أمّي… لا تبكي…»
ومع ذلك واصل الذهاب إلى المصنع. مرّت أسابيع هكذا. وفي ظهيرة ما رن الهاتف. كان المتصل شرطيًا. قال إن زوجي تعرض لحادث سير ونقلوه إلى المستشفى. قال: «عليكِ أن تأتي.» ذهبت. وهناك علمت أنه مات في لحظة الحادث. انحرف فجأة بالمقود نحو الجزيرة الوسطى، عبر إلى الجهة المقابلة واصطدم بشاحنة قادمة. قال الطبيب: «نعتقد أنه أصيب بأزمة قلبية.» بكيت كثيرًا، وحزنت كثيرًا.
حين عدت إلى البيت أعطيت العاملين تعليمات إجراءات الدفن. كان الدفن حاشدًا. تقبلت التعازي. قال بعضهم إن المصائب العظمى تطاردنا، وقال آخرون إنهم يشاركونني الألم… ثم عدت إلى البيت وحدي. منحت كل العاملين إجازة. أردت أن أبقى وحيدة تمامًا. رحلوا جميعًا. وأنا فتحت زجاجة شمبانيا فاخرة. كان عليّ أن أحتفل بانتصاري الكبير.
لماذا؟
فلنعد إذًا إلى البداية: كيف سقطتُ عن الدرج…
في الحقيقة، بعد وقت طويل، سمح لي لأول مرة أن أخرج تلك الليلة. كنا سنذهب، كعادته، إلى بيت أصدقائه لنحضر إحدى تلك الحفلات السخيفة. ولم يكن الأمر مشكلة كبيرة بالنسبة لي. على الأقل سأتتنفس قليلًا. هو سيستمتع مع أصدقائه، لأنني لا أستطيع أن أتنفس إلا حين لا يكون معي. حين يكون بجانبي كأن يدًا تخنق عنقي. كانت حياتي تدور بين جدران فيلا كبيرة، أمشي ذهابًا وإيابًا، أنتظر لحظة وضع النقطة الأخيرة.
في طريق عودتنا من الحفل، حين قال لي: «رأيت ما حدث»، لم أفهم عما يتحدث. توهم أنني تبادلت النظرات مع أحد الرجال، بينما لم أفعل سوى محاولة أن أكون وحدي، أن أخرج إلى الشرفة، أن أجلس في زاوية وأُسكت رأسي. لم أعرف حتى من يقصد. ومع ذلك ظل يصرخ في وجهي، يهدد ويهين. حتى وصل إلى أن اتهمني بأنني تزوجته من أجل ماله فقط. قال إنه سيطلقني، وإن لديه جيشًا من المحامين ليثبت «عدم عفتي»، وأنه لن يعطيني قرشًا واحدًا. كأنني كنت أبالي. كنت أحبه يومًا… حتى لو كان بلا مأوى لتزوجته.
واصلنا الشجار في البيت أيضًا. عندها بالذات أردت أن أضع النقطة. تركته في الصالة وذهبت بخطوات سريعة إلى غرفة الملابس. وضعت بضعة أشياء في حقيبة صغيرة وكنت على وشك مغادرة البيت، فأمسك بي عند رأس الدرج. أمسك بذراعي، اعتذر، حاول أن يعانقني، سجد عند قدميّ يرجوني ألا أذهب. شدّني، ثم حين فهم أنه لن يمنعني صفعني بكل قوته. تلك الصفعة التي لم أفهم كيف جاءت… هي التي جعلتني أتدحرج على الدرج.
من حديثه مع نفسه فهمتُ شيئًا عن علاقته بأمه. لكن المشكلة لم تكن أن أباه قتل أمه… المشكلة أنه صار أباه.
هل حبي؟ هل فقداني للذاكرة؟ هل رحمتي الكبيرة؟ بالطبع لم تجر الأمور كما ظنوا. كل شيء جرى كما أراد هو أن يجري. لكن الحقيقة… أن كل شيء بدأ في العناية المركزة.
لقد فتحتُ عيني حقًا هناك. لكنني استيقظت أبكر قليلًا مما ظنوا. كانت في الغرفة ممرضتان تتحدثان عن مريض آخر. وقت تبديل المناوبة. كانت إحداهما تسلم الأخرى معلومات عن وافد جديد:
«رجل، اثنان وعشرون عامًا، تناول مادة مهلوسة…»
«كيميائية؟»
«لا، طبيعية. قضى يومه مع أصدقائه يسبحون في مسبح بيتهم. مساء تناول مادة مهلوسة. خرج إلى الشرفة وظن أنه يقفز إلى المسبح فقفز إلى الأسفل. كسر في الساعد، وهناك خطر عدوى. صدمة في الرأس. وفي جسده حروق من الدرجة الثانية والثالثة. نُوِّم الآن. احتمال نجاته ضعيف.»
«مادة مهلوسة»… ذلك الشاب منحني فكرة مثالية. كان التوقيت رائعًا إلى حد أنني لم أستطع حتى أن أشفق عليه. شعرت بالامتنان فقط. كي أطبق الخطة كان علي أولًا أن أتظاهر بفقدان الذاكرة. ومع صدمة الرأس لن يبدو ذلك غريبًا. وفي أسوأ الأحوال سيقولون: «لا سبب طبيًا مؤكدًا… ستعود على الأرجح.» وهذا لا يهم. سأكون امرأة فقدت الذاكرة.
بقي الجزء الأصعب: البحث الجاد عن مادة مهلوسة، بحيث حتى لو أُجريت جثة وتشريح… لا ينكشف شيء. صار يراها في كل مكان، يحاسبها بصوته الداخلي، ويزداد جنونًا. والشاي الذي أعطيته إياه أفسد نومه وزاد ارتباك عقله. انتظرت حتى لم يعد يميز بين الحقيقي والمتخيل. وفي آخر يوم سيذهب فيه إلى العمل قدمت له شايًا مركزًا بكثرة. كنت واثقة أنه لن يعود إلى البيت ذلك اليوم.
والآن، ماذا سيحدث؟
سيحدث هذا: جيش المحامين الذي كان سيثبت «عدم عفتي» في حال الطلاق، سيجري إجراءات الميراث باسمي… أنا، الوريثة الوحيدة له.