العودة إلى قصص ديري

اقتله

ديري10 فبراير 2026
اقتله
“اقتله…”

كانت ستكون جملة افتتاحٍ مذهلة. مرّت تقريبًا سنة منذ آخر قصة كتبتُها. لم أعد قادرًا على كتابة جملة واحدة. بسبب الأدوية التي أعطوني إيّاها لم أستطع جمعَ ذهني، والأسوأ أني لم أعد أفكر. كنت أجلس ساعات أمام الحاسوب، أجنّ. الألم الذي يخلّفه العجز عن الكتابة كان يدفعني إلى ابتلاع المزيد من الأدوية، فأشعر بأسوأ، وأسقط نفسي في حلقةٍ مفرغة. إن أردتُ أن أختصر لك ما كنت أشعر به: كنتُ أريد الموت. مراتٍ لا تُحصى. كنت أكتب جملًا سخيفة ثم أمحوها، أحيانًا أنام فوق لوحة المفاتيح، وأحيانًا تنطفئ إدراكاتي تمامًا، فأضغط أزرارًا بلا معنى. لم يبق لديّ أي أملٍ في المستقبل. كان الماضي وحده في رأسي. لم تعد لديّ قوةٌ على الاحتمال. فقررت أن آخذ قصةً قديمة كتبتُها وأجعل طبيبي يقرأها. سأثبت له أني كاتبٌ جيد. عندها سيقتنع بقطع الدواء، وسأعود للكتابة. هكذا بدأ كل شيء.

في ذلك اليوم، قلت له في الجلسة إنني أريد منه أن يقرأ القصة، ثم نقضي الوقت كله نتحدث عنها. وافق. حين أنهى القراءة بدا متفاجئًا… بل كأنه مسحور. سأل: “لماذا أحضرتَ هذا إليّ؟” كان شرحي واضحًا: “أريد أن أتوقف عن الأدوية.” قال إن ذلك مستحيل، وهذه المرة جاء دوري لأسأل: لماذا؟ استمعتُ إلى ثرثرته، ثم طلبتُ فقط بعض الوقت. على الأقل لفترةٍ لا أريد ابتلاع شيء. قاوم في البداية، ثم قال إننا يمكن أن نجرب إيقافها بشكلٍ مراقب، وأن هناك علاجًا بديلًا، لكن عليّ أن أراه مرةً في الأسبوع على الأقل. لأول مرة منذ زمن شعرتُ بالأمل.

طبعًا كان بإمكاني أن أترك الأدوية دون أن أسأله. أتركها ولا أمرّ حتى من أمام بابه. لكني جرّبت ذلك سابقًا، وبصراحة لم تكن النتائج جيدة.

حين شُخّصتُ لأول مرة كنت في الثامنة عشرة. قاومتُ، لكني بدأت استعمال الدواء آنذاك. حين أدركتُ أن الأدوية بدل أن تشفيني بدأت تضرني، أوقفتُها. لم يكن أحد يعلم. كنت أتصرف كأني أتناولها، وأرميها سرًا في القمامة كل يوم. لم يلاحظ أحد. كان كل شيء على ما يرام. لأنهم ظنوا أني أتناول الدواء، كانوا يعتقدون أنني صرت “متعافيًا”. والمفارقة أنني كنتُ متعافيًا فعلًا. كنت أسيطر على ذهني، وأركز على دروسي أكثر. كان كل شيء يبدو طبيعيًا. إلى أن ماتت أمي وأبي في حادث سير. قالت الشرطة إن خرطوم الفرامل انفجر، وإن سرعتهم كانت عالية، وللأسف لم يستطيعوا التوقف. بعد فقدانهما انقلبت أشياء كثيرة. في النهاية أقنعتني عمتي بالذهاب إلى عيادة. ربما أحكي لاحقًا ما حدث هناك. لكن يكفي أن أقول إنني عشتُ أشياء جعلتني أخاف بجنون من ترك الدواء دون رقابة.

قال طبيبي إننا سنعدّل الجرعات أولًا، ثم سنترك الدواء تدريجيًا. لم تكن أيامًا سهلة. انغلقتُ على نفسي، وكنت أنام نحو عشرين ساعة في اليوم. في ما تبقى، تارةً نوبات غضب، تارةً بكاء، تارةً جلوسٌ فارغٌ كحجر. هكذا مرّ شهرٌ تقريبًا، وكنت قد تخلصت من الدواء بالكامل. الجلسات والأساليب البديلة بدأت تُثمر. كنا نحن الاثنان سعداء.

احتاجت عودتي إلى الكتابة بعض الوقت. أما أول قصة كتبتُها فكانت مهداة إلى الأيام التي لم أستطع فيها الكتابة.

كان الطبيب يظن أن لديّ هوسًا بالموت، ويصر على العودة إلى العلاج الدوائي كي أتغلب على ذلك. ثم كنت أقنعه من جديد، وأطلب وقتًا. وهذه المرة طلب مني أن أكتب قصصًا جديدة وأحضرها. قصصًا بلا موت، أكثر سكينة، أكثر هدوءًا… وربما أكثر “بناء”.

كلما كتبتُ كتبتُ أكثر، حتى صرتُ أجد صعوبة في إيقاف نفسي. أحيانًا كنت أكتب أشياء سخيفة وأمزقها، لكن في الغالب كنت أخرج بعملٍ جيد. لم أكن أنوي العودة إلى الأدوية أبدًا. والطبيب كان يدرك ذلك. كان يعرف أنني لا أنام من سواد ما تحت عينيّ ومن سلوكي، ويطلب مني أن أتوقف قليلًا. ومع ذلك كان يريد مواصلة قراءة قصصي. كان يأخذها كلها ويضعها في ملفي. أنا كنت أريد فقط أن أقرأها له ثم آخذها وأذهب. أما هو فكان يصر على أن تبقى عنده. بدأ ذلك يزعجني.

في كل جلسة صار يسأل عن قصة. كنت أقول له إني لم أكتب فقط كي لا أعطيه شيئًا، فيقول: إذًا لنعد إلى الأدوية. دخلتُ مأزقًا. لم يعد تركُه ممكنًا أصلًا. كانت عنده عشرات قصصي، وكان لديه بالتأكيد خطة.

سيسرق قصصي الكاملة. سيطبعها باسمه وربما يصير كاتبًا معروفًا. سيقيم حفلات توقيع، يشارك في معارض، يعطي محاضرات. وربما تدعوه الجامعات. سيسألونه: كيف تكتب بهذا الشكل؟ وبالطبع لن يقول: “سرقتُها من مريضي.” سيحكي كم تعب، وكم عاش من أيامٍ مؤلمة.

وبعد مدة قصيرة اعترف لي بخطته بنفسه. قال: “أريد منك قصة أخيرة، سنقوم بجلستنا الأخيرة. كتابي الذي عملتُ عليه منذ فترة انتهى، سأهتم به قليلًا. لكن لا تحزن، لديّ طبيبٌ صديق سيكمل معك.” شعرتُ كأن رصاصة أصابت دماغي. لم أسمع بقية كلامه. أتذكر فقط أني خرجتُ مسرعًا. وجدتُ نفسي أمشي في الشارع. لم يكن في رأسي سوى الكراهية. ثم تحولت الكراهية ببطء إلى رغبة انتقامٍ عميقة.

هناك شيءٌ لم أخبرك به عني: لديّ محيطٌ قذر حقًا. كثيرون أعرفهم يعملون في أمور غير قانونية. مخدرات، سلاح، سموم… الحصول عليها بالنسبة لي لعبة أطفال. يمكنني أن أقتل إنسانًا دون أن ألمسه. لديّ مجموعة أصدقاء “رائعة” تفعل ذلك لي. لكني لم أرد ذلك. أردتُ أن أوسّخ يدي بنفسي، أن أنتقم بجنون، وأن أشاهد ذلك بمتعة. وإلا كنتُ سأقتل نفسي. تخيّل: آخر سيجارة، والعلبة فارغة. توقيتٌ ممتاز للموت. وأنا كي لا أموت، صنعتُ خطةً مثالية.

كان العثور على الريسين أصعب مما ظننت. لكنه لم يكن مستحيلًا. اخترتُ أنسب قصة للجلسة الأخيرة. وضعتُ القصة والريسين داخل ظرف مع كل الاحتياطات. الريسين، إذا استنشقته، فحدك الأقصى اثنتان وسبعون ساعة. نزيف داخلي، وفشل كامل للأعضاء، والموت يصبح حتميًا. وهكذا سيكون. لم يبق إلا أن أعطيه للطبيب.

في موعد الجلسة كنت عنده. تحدثنا قليلًا. قلت له إنني أحضرت قصة أخيرة. بما أنه سيتخلى عني: “هدية وداع”، قلت وأنا أمدّ الظرف. ثم قلت: “لكن… رجاءً افتحه بعد أن أغادر. أريدك أن تكون وحدك وأنت تقرؤها. وحدك كي تركز أكثر. لا يتشتت انتباهك.” فرح جدًا. شكرني. ثم قال بالطبع إن عليّ أن أعود إلى الأدوية، إذ انتهى منّي. قال إن عليّ أن أتوقف عن الكتابة قليلًا، أن أريح عقلي. كتب وصفة ووضعها في يدي. أخذتُ الوصفة ونهضت. صافحني بحرارة. وأنا، وأنا أسبّه في داخلي، صافحته. بل وابتسمت.

وقبل أن أخرج من الباب ناداني. قال: “كنتُ سأُنسى… هذا لك.” ناولني صندوقًا ملفوفًا كهدية. أخذته على مضض، شكرته، وفتحت الغلاف. كان في يدي كتابٌ على غلافه صورته. كان كتابه. عنوانه: “طرائق تحليل جديدة في التحليل النفسي.” زبالة علمية كثيرة.

نظرتُ إلى الظرف غير المفتوح على مكتبه بعينين فارغتين. خرجتُ ومضيت.

ذهبتُ إلى البحر، جلستُ قليلًا. شربتُ شايًا وأكلتُ سميتًا. ثم طويتُ الوصفة على شكل طائرة ورقية ورميتها في البحر. أعترف… خرطوم الفرامل لم يكن سيئًا، لكنه مبتذل. أما الريسين… فكان فكرة عبقرية تمامًا. يا له من ختامٍ مثالي.

“اقتله…”