الرجل الميت
ديري10 فبراير 2026

الرجل الميت
تيك تاك، تيك تاك، تيك تاك... لا بد أن الساعة تقترب من السابعة والنصف مساءً. أفهم من الأصوات القادمة من الخارج أن تبديل النوبة يقترب. هنا تبديل النوبة يكون في الثامنة مساءً. وهذا يعني أن أمامي نحو نصف ساعة. هل أنام قليلًا؟ لا أظن. لدي جبال من العمل. لكن وسط كل هذا الضجيج لا يمكنني أن أركز. خطوات في الممر، همهمات متوترة… لا بد أن ثمة حالة طارئة. أتمنى أن تكون طارئة بما يكفي كي ينسوني. لأنني، في هذه الأيام، أحتاج إلى أن يُنسى اسمي. تك توك، تك توك، تك توك... ها هم لم ينسوني. هذا صوت كعبٍ يقترب من غرفتي. لا بد أن الساعة تقترب من الثامنة وخمس دقائق. بدأت النوبة الجديدة، استلمت المهمة، وها هي قادمة. اللحظة التي أكرهها طوال اليوم توشك أن تبدأ. بصرير الباب الخشبي القديم يصبح الهواء في الغرفة أشد اختناقًا. اليوم مضى شهران كاملان على وجودي هنا. سمعت الطبيب صباحًا وهو يذكر ذلك للممرضة في جولته. يقولون إنهم غير متأكدين من مقدار التقدم في حالتي. وأنا أيضًا لم أكن متأكدًا حين تركت جسدي يسقط من شرفة بيتي إلى الإسمنت. لم أكن أتحدث مع أحد منذ ثلاثة أشهر. ولم أكن أريد الحديث أصلًا. كنت أريد الكتابة فقط. كنت أكسب من كتاباتي بعض المال، وكان ذلك يكفيني. وفي تلك الأيام بالذات قررت أن أكتب رواية «الرجل الميت». ربما كانت أفضل فكرة خطرت لي منذ زمن طويل. الكلمات كانت مصطفة في ذهني كموكب مشاعل: لامعة، ملونة، براقة. كانت تُشبعني. إلى أن بدأت تلك الصداعات التي لا تنتهي. رغبة كثيفة في النوم، وهن، فتور، هروب الكلمات بلا سبب… كلها انقضت عليّ مثل أحجار دومينو. صار «الرجل الميت» وهمًا على طرف قلمي، وصرتُ أنا أنجذب إلى رغبة أن أكون رجلًا ميتًا. ثم تركت نفسي من حافة الشرفة… وسقطت. لا أحاكم نفسي كيف وصلت إلى هذه الحال في شهر واحد. أعرف فقط لماذا لم أمت. هذا الرجل لم يمت. «الرجل الميت» عاد. الآن يمكنني أن أكتبه. كان يمكنني… لو لم يكن كل ما تحت عنقي مشلولًا. نتيجة إصابة في الحبل الشوكي بسبب السقوط، صارت أطرافي كلها بلا حراك. أرى وأسمع. لا أستطيع الكلام، ولا أستطيع أن أحرّك شيئًا. لكنني سأكتب. ذهني ما زال لي. لو فقط كانت هناك لحظة صمت. طَق طَق طَق... إنها الممرضة بيغوم تطرق الباب. خطوات الكعب كانت لها. وهذا أحزنني. تمنيت لو كانت الممرضة عائشة. بيغوم في العشرينات، رقيقة، صوتها ناعم، مثالية جدًا. تأتي كل ساعة طوال الليل لتفقدنا. نحن أربعة في الغرفة، وأنا الوحيد المشلول. تأخذ عشر دقائق لكل واحد. أي أنني بالكاد أجمع ذهني، وبعد خمسين دقيقة تعود فتبدده. أما عائشة؟ فهي تقضي الليل كله على الهاتف مع خطيبها. عمرها بين الخامسة والأربعين والخمسين، قصيرة، ممتلئة قليلًا، قاسية الملامح، لا تحبني، أعباءي تثقلها. ومع ذلك تمنيتها. على الأقل، الليلة الماضية تشاجرت مع خطيبها شجارًا عنيفًا. كنت قد بدأت أركز، فإذا بها تصرخ عليه صرخة جعلت ليلتي حطامًا. ومع هذا ما زلت أتساءل: هل تصالحا؟ أجرت بيغوم فحوصها المعتادة. ثم تحدثت قليلًا مع العم الذي في السرير الثالث من اليمين. انتظرت أن يصمتوا. سريري عند النافذة. أخيرًا خرجت، وأغلق الباب بصرير، وابتعدت خطوات كعبها في الممر حتى تلاشت… تك توك، تك توك، تك توك... صار ذهني أخيرًا ملكي وحدي. لا صوت. كان يمكنني أن أعود إلى «الرجل الميت». لم أستطع. المريض في السرير المجاور، في مثل سني تقريبًا وشعره أشيب قليلًا، بدأ يصرخ ويئن. ألمٌ على ما يبدو. امتلأت الغرفة بالممرضات والطبيب المناوب. أصوات… أصوات… ضجيج كثير. هكذا منذ أيام. لحظات الصمت القصيرة لا تكفيني لأركّز. آه يا ليثي… كنتَ ستطهّر «الرجل الميت» وتنقذه من عذابه. دعني أنا أشرب من ماء النسيان. في داخلي آلام يجب أن تُنسى. أنسني… واقتلني. في النهار يكون الجناح أكثر ازدحامًا وضجيجًا. لا نوم ولا كتابة. أصلًا منذ أيام لا أنام نومًا صحيحًا. صارت الأحلام تختلط بالواقع. حتى في حلمي أنا في هذا السرير، لا أستطيع الحركة. هذه الليلة نوبة الممرضة عائشة. تصالحت مع خطيبها. وتركَت الباب ملعونًا مفتوحًا إلى آخره تحسبًا لأي طارئ. كل الأصوات صارت في الغرفة. لو طارت ذبابة لجننت. الأصوات… صوت الساعة، صوت الأقدام، صوت الأبواب. كلها تنفجر في رأسي. أذناي تصفران بجنون. أسمع صراخ «الرجل الميت». واليثي يناديني. أتذوق ماءه المر. عائشة تضحك بخفة. أشعر بالبرد كأن جسدي كله يرتجف. عائشة، اصمتي. عائشة، غثيان. أريد أن أفتح عيني فلا أستطيع. قلبي سينفجر. «الرجل الميت» يتقدم نحوي. عروقي تؤلمني. يصرخ أحد المرضى: «ممرضة!» فتجري عائشة… لا تضحك الآن. الغرفة ظلام حالك. ثم لا شيء. فقط ظلام. أين أنت يا «الرجل الميت»؟ والآن… أفتح عيني ببطء على صمتٍ عميق. لا بد أن هذا الصمت معجزة. سكينة هائلة، الجميع صامتون. حتى الساعة صامتة، هل انتهت بطاريتها؟ لحظة… هناك أناس في الغرفة، لكن لا صوت لخطواتهم. شفاههم تتحرك بلا صوت. لا سرير آخر حولي. كل شيء موجود، لكن بلا صوت. أرى… ولا أسمع. هل أصبت بنوبة؟ هل أنا في العناية المركزة؟ يا إلهي… يا لها من هدية! أكاد أجن من الفرح. أرى «الرجل الميت» بعينين باردتين، يحدّق فيّ، يمد يده، ينتظرني. أغمض عيني وأصير رجلًا ميتًا. أصعد معه إلى شرفة ذهني، نراقب كل ما حدث. كل شيء صافي وشفاف. انتظرنا يا ليثي… سنأتي لنشرب من مائك. انتظر… تيك تاك، تيك تاك، تيك تاك...