الساحر
ديري10 فبراير 2026

سأبوح لكم بسرٍّ عن السحر. في الحقيقة لا شيء اسمه سحر، وأنتم تعرفون ذلك. الحقيقة أن عرض السحر ليس مجرد عرض أبدًا. خلفه رياضيات وفيزياء وكيمياء وتكنولوجيا، وأمامه مجرد استعراض. الفريق ليس أبدًا ما ترونه فقط. في الخلف يعمل أحيانًا عشرات الأشخاص، كما في «لوح التوقع». سأحدثكم عن اللوح لاحقًا. نحن أيضًا كنا نعمل ضمن فريق كهذا. كنّا الطاقم الخلفي لساحرٍ يحمل اسمًا فنيًا: «ميستيك». كنتُ أنا، ويوسف، وبوراك، ومحمد. كان محمد يعاني إعاقة في الكلام، ومنطويًا على نفسه، وعبقريًا حقيقيًا في الحاسوب. الأنظمة التي يبنيها لم تكن لدى الساحر المتباهي. كان يقوم بمعظم العمل وحده، ويبتكر أفكارًا جديدة، ويعد عروضًا قادرة على تحويل «ميستيك» إلى نجم عالمي. وعلى النقيض منه كان يوسف ثرثارًا عصبيًا، خبيرًا في الرياضيات. حسابات العروض كلها، متى يتحركون وكيف، وتجهيز المواد، كان يفعل ذلك كله بدقةٍ متناهية. أما أنا وبوراك فكنا نحمل المعدات أحيانًا، ونجهز المسرح أحيانًا، ونرتب الديكورات، ونساعد في الأعمال الصغيرة. كنا أكثر أعضاء الفريق حركةً. كان هناك آخرون أيضًا، لكن العمل الحقيقي كنا نحن الأربعة. أما «ميستيك» فكان يأكل القشدة. ولم يكن يدفع مالًا كبيرًا أصلًا. كنا نحب العمل. رؤية عرضٍ صنعنا خدعته بأيدينا يذهل الناس كانت تسلينا. في الآونة الأخيرة بدأ «ميستيك» يضغط على محمد كثيرًا. أراد منه مشروعين قويين خلال أسبوع. حاول محمد أن يشرح أن ذلك مستحيل، لكن «ميستيك» لم يستمع، وهدده بالفصل. محمد، الذي كان يكتب ليشرح ما يريد، استسلم في النهاية، ولم يطل. بدأ يعمل ليله بنهاره. ينام قليلًا، وأحيانًا لا يأكل. يوسف كان يدخل في نوبات غضب رهيبة، ويتشاجر مع «ميستيك» باستمرار. كان أشجعنا. لم يحتمل الظلم الواقع على محمد. بعد أسبوع جاء محمد بمشروعين مدهشين. يوسف ما إن سمعهما حتى تحمس جدًا واقترح أن نبدأ فورًا. الأول: نظام قراءة عينٍ لتخمين مدينة مختارة على خريطة عالمية كبيرة. نختار شخصًا عشوائيًا من الجمهور، يصعد إلى المسرح، ينظر إلى الخريطة، ويختار مدينةً في بلدٍ يريده. في تلك الأثناء، نظام ليزر مخفي خلف الخريطة يتتبع حركة العين. حين يقرر الناس في لحظةٍ متوترة، تتوسع حدقة العين، فيلتقط الليزر ذلك ويرسل إشارة إلى محاكاة الخريطة في حاسوب محمد. وبذلك يقول محمد عبر سماعة صغيرة في أذن «ميستيك» اسم المدينة. كان سيصبح تحفة هندسية. الثاني: يأخذ «ميستيك» حفنة من البذور وينثرها من المسرح فتتدحرج حول الجمهور، ثم… «أبرا كادابرا»… وتبدأ بالبزوغ والازدهار. لحظة سحرية. كانا مشروعين مختلفين تمامًا، يحتاجان هندسة وتقنية جدية. محمد ويوسف قادران على حملهما. لكن «ميستيك» أخذ الملف من يد محمد، وقال إنه لم يعجبه، ثم خرج من الغرفة. صُدمنا. انكسر محمد، وغلى يوسف. لا ندري أنواسي محمد أم نهدئ يوسف، بينما عروق يوسف انتفخت وصرخ: «لا أثق بهذا الرجل أبدًا!» صفق الباب وغادر. في اليوم التالي عاد أكثر هدوءًا، لكن حقده لم يهدأ. كنا أنا وبوراك ومحمد نجلس نخطط للعرض الجديد. جلس يوسف وقال محاولًا أن يكون هادئًا: «انظروا! لا أثق بهذا الرجل إطلاقًا. ما يعطينا ليس مالًا أصلًا. وبدل أن يكتفي بأن يجعلنا نفعل كل شيء، يزيد ويهين! سأراقبه. هناك شيءٌ مريب. هل تشعرون مثلي؟» محمد أطرق برأسه. كان مرهقًا، ولم يرد أن يتعب نفسه برد فعل. أنا وبوراك كنا نوافق يوسف، لكننا لم نرد الدخول في معركة. الشجاع كان يوسف. مرّت أيام. يوسف اختفى. «ميستيك» يسأل عنه. هاتفه مغلق، وليس في بيته. كان العرض يقترب، وكنا نحتاج يوسف. وفي الليلة الثالثة عاد. كان نحيلًا، ثيابه مبعثرة. بدأ يروي فورًا: «أتابع ذلك الوغد منذ ثلاثة أيام. اليوم عرفت ماذا يفعل. إنه يبيع مشاريع محمد!» تجمدنا. محمد بدا كأنه شاخ عشر سنوات في لحظة. تغير وجهه، وغارت عيناه. عض شفتيه كي لا يبكي. تابع يوسف: «ذهب إلى الحانة التي يرتادها في شارع بابل بعد الغروب. دخلت دون أن يلاحظني. بعد قليل جاء رجلان. خرجوا من الباب الخلفي إلى زقاق ضيق خلف القمامة. أخرج ملف محمد من جيبه وسلمه لهما. أحدهما كاد يراني فاختبأت. سأقتل هذا ابن…» لم نرد ليوسف أن يقع في مشكلة، لكن ما حدث لا يُبتلع. كان محمد محطمًا. وهذا زاد يوسف جنونًا. في اليوم التالي لم يأت يوسف. وفي اليوم الذي بعده وصلنا خبر موته. تحطمنا. كان قد تعرض لحادث سير مع «ميستيك». بعد خروج «ميستيك» من المستشفى روى لنا ما جرى. هو نجا بخدوش وكدمات. «كنت على وشك ركوب سيارتي. فجأة قفز يوسف أمامها كالمجنون، يشتم ويضرب السيارة ويصرخ: سأقتلك! لم أفهم. خفت. شغلت السيارة لأهرب، فجلس في المقعد المجاور وقال: قد! قدت. في طريق الجبل طلب مني أن أتوقف. قال: احكِ. لا أعرف عمّا يتحدث. ضربني. ثم روى ما رأى. وأنتم تعرفون…» كدت أنقض عليه. يوسف مات. لا بد أن «ميستيك» قتله. لكنه تابع: «فهمت غضبه. لكن السحرة يعرفون أن الحقيقة ليست دائمًا كما تبدو. نعم، سلمت الملف لرجلين يا محمد… لكنني لم أبيعه. أتعرف من هما؟ هما من سينفذ الأعمال الميكانيكية للمشاريع. سيصنعان نظام الليزر والبذور… وبثمن مناسب. لم أرد أن أعطي شيئًا بهذه القيمة في حانة، فأعطيتهما إياه سرًا في الزقاق. كنت أريد مفاجأتكم. سيعودان لنا بالآليات جاهزة.» ثم قال بوجهٍ ليّن، كمن يعتذر: «قد لا أظهر ذلك، لكنكم مهمون جدًا بالنسبة لي. لن أغدر بكم. حين شرحتُ ليوسف الأمر حزن، وندم لأنه أساء فهمي. كان لدي في الصندوق الخلفي كحول كثير. لم أرد أن أشرب، لكنه شرب. جلسنا ساعات نتحدث. حدثني عن مشاكلكم. كنت سأصلح كل شيء. ثم أصر أن يقود في العودة، وفقد السيطرة… فتحت عيني في المستشفى. حزامي كان مربوطًا، ولم أنتبه أن حزامه لم يكن. اصطدمنا بشجرة، وطار يوسف خارج السيارة… ومات في مكانه. الآن سأفي بكل ما وعدته به، تكريمًا لذكراه.» قال ذلك وربت على أكتافنا وخرج يخفي دموعه. كانت تقارير الحادث أيضًا تقول إنه بريء. خجلنا من أنفسنا. قلنا: إن كان يوسف صدّقه، فلنصدّقه نحن أيضًا. مرّت أربعة أشهر على موت يوسف. لم نجد أحدًا يملأ مكانه. محمد حاول وحده، لكن غياب يوسف كان عميقًا. حمل محمد عبئًا أكبر، وانهار نومه ونفسيته. انغلق على نفسه، وقطع صلته بالجميع. كان لديه هدف واحد: مشروع يعمل عليه وحده، قال إنه لن يخبر أحدًا به حتى ينتهي. قال إنه دين لذكرى يوسف. لكن غياب الأفكار الجديدة أثر في مسيرة «ميستيك». انتشرت إشاعات: يوسف كان العقل، و«ميستيك» مجرد واجهة. لم تكن إشاعات ظالمة كثيرًا. غضب «ميستيك» حتى الجنون. ذات صباح دعانا محمد جميعًا، وطلب حضور «ميستيك». أدخلنا إلى غرفة عمله التي لا يسمح لأحد بدخولها. كان فيها لوح أخضر كبير، لوح طباشير كلاسيكي. قال إن هذا اللوح هو مشروعه الجديد. ظننا أنه فقد عقله، وكدنا نضحك. جلس محمد أمام الحاسوب، كتب شيئًا وضغط «إدخال». في اللحظة نفسها ظهرت على اللوح، وبخط محمد نفسه، كلمة واحدة: «لا تضحكوا!» ثم نهض ونفخ عليها فتطاير غبار كأنها كتبت بالطباشير حقًا. تسمّر «ميستيك» فاغرًا فاه. كنا مذهولين. نعرف أن هناك خدعًا مشابهة، لكن عرضًا بهذا الحجم وبدون مخاطرة لم نره من قبل. التكنولوجيا فعلت كل شيء. لا خفة يد ولا مخاطرة. واللوح لم يكن صغيرًا… كان عملاقًا. قرر «ميستيك» أن يحتفل بعودته بعرضٍ كبير. سيكون عرضًا تجريبيًا ثم جولة. تابع التحضيرات بنفسه. استأجر أكبر صالة، وطبع ملصقات ضخمة، واستأجر لوحات إعلانية، ودعا الصحافة والوجوه المعروفة. بدأت الجرائد تكتب: «عاد!» أجرينا بروفات كثيرة. كل شيء كان يسير كما ينبغي. جاءت ليلة العرض. قررنا أنا وبوراك أن نشاهد من بين الجمهور احترامًا ليوسف. امتلأت القاعة: الصحافة، البروتوكول، الضيوف الخاصون. وقفنا في الخلف. كل شيء مضى كما خُطط. ترك «ميستيك» «لوح التوقع» للنهاية. حين جاء دوره طلب من الصحافة أن تختار شخصًا عشوائيًا. ذلك الشخص يختار بدوره مساعدًا يصعد إلى المسرح. جاءوا بمكتبة ضخمة على عجلات، مليئة بمئات الكتب. قال «ميستيك»: «أريد منك أن تختار أي كتاب، وأي جملة، وتكتبها على ورقة. في هذه الأثناء ستكون عيناي معصوبتين.» حبست الأنفاس. العيون كلها على اللوح المغطى بستارة. عصبوا عيني «ميستيك»، وكتب الضيف، ثم طوى الورقة. قال: «والآن أعطِ الورقة لشخصٍ تختاره ليقرأها بصوت عال.» أعطاها لشخص ما. لم يهم من. المهم أن تُقرأ. الباقي سيقوم به محمد. قرأ الرجل في الميكروفون بصوتٍ عال: «لقد اعتدل اللهيب وبقي بلا حركة؛ لم يعد قادرًا على الكلام. وبعد أن استأذن الشاعر اللطيف بدأ يبتعد، فإذا بصوتٍ غامض صادر عن لهبٍ آخر يجعل أعيننا تتجه إلى قمة اللهيب…» آه! اختار دانتي. الجحيم. كم أحببته. تقدم «ميستيك» إلى اللوح وأمسك طرف الستارة. الطبول تدق بجنون. وفي تلك اللحظة اهتز هاتفي. رسالة. ترددت، ثم فتحتها خوفًا من مشكلة. كانت من محمد. حين قرأتها شعرت أن الأرض تميد. برد عرقي، وارتجف جسدي. لم أعد أرى سوى «ميستيك». اختفت الأصوات من حولي. كتب محمد: «أعرف كل شيء. لدي تسجيل صوتي لليلة موت يوسف. هو لا يشرب أبدًا.» سحب «ميستيك» الستارة بحركة مسرحية. وما إن انكشفت حتى تجمدت القاعة. لا صوت. لا نفس. كان على اللوح جملة واحدة، بخط «ميستيك» نفسه: «أنا قتلت يوسف…!»